مقالات

قيمة الزول.. العنبر الخام روث في مواطنه


عصمت عبدالله

عندما غزا محمد علي باشا السودان في العام 1820م أو 1821 – على اختلاف الروايات – كما هو معلوم للجميع، كان هدفه البحث عن الذهب الذي تناقلت الركبان خبر وجوده بكميات مهولة في منطقة بن شنقول.. الهدف الآخر من احتلاله السودان هو سعيه للحصول على رجال لدعم جيشه بعد أن قرر الاستغناء عن الألبان والأتراك، واستبدالهم بآخرين من السودان، لما عُرف عنهم من شجاعة وقوة وطاعة، على النقيض من الأولين الذين كان ديدنهم التمرد وإثارة القلاقل..
الشاهد في الحدث آنف الذكر أن محمد علي باشا اختار السودانيين واستبدلهم بمن بني جلدته (الألبان)، ليكونوا في جيشه، يأتي ذلك وفق معطيات محددة، تتمحور حول كيفية تقييم الإنسان بصورة عامة والسوداني بصورة خاصة، ووضعه في المكان الذي يناسبه، حتى تكون نتيجة ذلك مرضية..
الأمر يعد أنموذجاً وشاهداً على أن الإنسان السوداني على مر العصور محط أنظار المقيّمين، فمنذ القدم وقبل أوان انتشار التعلُّم في العالم أجمع، والعالم العربي بالأخص وأفريقيا، رفد السودان العديد من الدول بكوادر شهد لها مواطنو تلك الدول بالكفاءة، ففي نماذج الأطباء والمهندسين والإداريين في الخليج العربي وانتداب المعلمين في دولة اليمن وغيرها؛ خير شاهد على ذلك.. وكل الدول التي كان للسودانيين فضل – بجهودهم وإخلاصهم وتفانيهم – في تأسيس بنياتها التحتية، أقرّت بأنها في أمس الحاجة إليهم ولا تستطيع الاستغناء عن خدماتهم، وبالمقابل لم تبخل عليهم بتقديرها وتحفيزها مادياً ومعنوياً، بل لم يستثنهم معظمها في المعاملة كسائر أبنائها، سواء في جانب قوانين أو في الحقوق والواجبات..
هذا حال التقدير والتقييم للسودانيين خارج بلدهم، أما في بلدهم فالأمر يُوسَف له ويُحزَن عليه..
تحكم السودان قوانين الولاء والقوة والبطش، فالقوي الباطش في السودان سيد قومه والحكيم النبيل دون ذلك.. الجاهل الغني هنا ذو حديث مسموع (وإن كان كلام الطير في الباقير) وذو طرافة ونكتة مضحكة وإن كانت (سمجة)، وعلى عكسه العالم الفقير، كل شيء ضده.. تواترت مقولة منسوبة إلى الشيخ فرح ود تكتوك “كل يا كمي قبال فمي”، صارت مثلاً يعبر عن أن تقييم الإنسان في السودان يكون من خلال مظهره، كأدنى درجة من درجات السطحية.. ومقولة ود تكتوك تعضد أن الأمر قديم في السودان، ولكنه استشرى في الأعوام الثلاثين الماضية، ما أورد البلاد مورد السقوط المريع والهلاك المدمر..
فالمواطن السوداني وإن ارتفعت درجة تعلُّمه وكفاءته صار مطروداً من بلده، وربما مطارداً في بلده، حينما تتجافى توجهاته الفكرية مع توجهات الحاكم، فعلى مدى ثلاثينية الإنقاذ شهد العالم أجمع حقائب السودانيين وهي تعبر مطاراته.. وتستقبلها دوله بكل ترحاب.. كيف لا وفيهم الطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب ذوو الكفاءات العالية، ليتم استبدالهم في السودان بسواقط الشهادات، وجهلة القوم، ويكون المعيار هو الولاء، الأمر الذي قاد إلى التردي الماثل في الصحة والتعليم والبنية التحتية بل في كل المجالات، نتيجة حتمية لملء شواغر الوظائف بمن هم دونها، ومن لا يملكون أدنى درجات المعرفة بها..
السودان بلد يزخر بالكفاءات في كل المجالات، وقد شهدت بذلك المحافل الإقليمية والعالمية، أضف إلى ذلك هو بلد يحمل في طياته جميع عوامل وإمكانيات النهوض والتقدم، فالمعادلة تتوفر فيها جميع عناصر النجاح، بيد أن الخطأ يكمن في كيفية توظيف تلك الكفاءات وتلك العوامل التوظيف الأمثل.. جميع الدول فيها الكفاءات ولكن ينقص الكثير منها مقومات النجاح الأخرى كالأراضي الخصبة والمناخ الملائم والماء الوفير، بيد أن الاختلاف يكمن في تقييم الإنسان ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب له، فكل الدول الناهضة طورها بنوها، حينما اعتلت الوطنية ظهر المصالح الشخصية، ونُفِّذت القوانين في القوي قبل الضعيف، وجرى تقييم الإنسان وتقديره وفق ما يقدمه من عطاء ووفق ما يحمله من خير لبلده، ووفق علمه وتعلمه وخبرته، فكيف يتطور بلدنا وكفاءاتنا مشردة في مشارق الأرض ومغاربها، ويتولى شؤونه وإدارة مؤسساته أصحاب الكفاءات الضعيفة؟ حتى مجالاتنا الصحية والهندسية والمعمارية والتعليمية لم تسلم من ذلك، لذا كثٌرت الأخطاء والفشل..

محمد علي باشا كان هدفه بناء جيش قوي يحمي به مصالحه وملكه، يقهر به أعداءه، فكان تقييمه أن الرجل السوداني هو الأنسب لتولي المهمة. غض النظر عن أسلوبه في تحقيق ذلك سواء بالاسترقاق أو الشراء، ولكن التقييم الصحيح هو دافعه لذلك. وغير ذلك الكثير من النماذج التي لا تحصى ولا تعد عن نظرة ثاقبة يحملها الأجنبي تجاه السوداني تعبِّر عن تقدير وتقييم صحيح، في حين تجد تلك النماذج التقييم والتقدير الخطأ والظلم في بلدها.
في السودان قيمة الإنسان ومكانته يتم تقديرها وفق معطيات المصالح الشخصية دون النظر إلى المصلحة العامة الوطنية، ويمكن تطويع القوانين وكسر المبادئ، فـ (الزول) عند الحكام – مهما علت مرتبه كثُر تعلُّمه وعلمه – طالما أنه كان مسالماً و(في حاله) فهو غير ذي قيمة، ويمكن لفاقد تربوي (ذي سلطة) سحله دون أدنى رأفة.. فطالب الطب وخريج الهندسة والمعلم الفاضل والطبيب والمرأة والطفل دماؤهم مستباحة عند حامل السلاح (الجاهل).. حاملو درجات الأستاذية والماجستير والدبلوم العالي والبكالوريوس عاطلون عن العمل، وينظر لهم متسلقو وسارقو المناصب شذراً. لا احترام يستحقونه وسط المجتمع، في حين ترفع القبعات وتنحني الظهور للأميين.. حتى داخل المؤسسات، ناقل أخبار الزملاء إلى المدير يجد التقدير والتقييم الذي يفوق تقدير وتقييم رؤسائه.. الأعمال الهامشية والأعمال اليومية تعد مصدر دخل أفضل بكثير من مصادر دخول أصحاب المرتبات، بمن فيهم الأطباء والمهندسون والضباط والإعلاميون والمعلمون، بل قد تعادل يومية عامل مرتب موظف.. شباب السودان هم بناة مستقبله، من السهولة بمكان إبادتهم في تظاهرة سلمية من قبل عسكري أو أمنجي بـ (شريط).. لا قيمة لعابر الطريق عند أصحاب المركبات، وأصحاب المركبات يخشون على أنفسهم من المساءلة القانونية والخسارة المادية وحياة الإنسان عندهم لا قيمة لها..
التقدير والتقييم الصحيح للأفراد له نتيجة إيجابية في المجتمع وعدالة في توزيع الحقوق المادية وللمعنوية، وسبب مباشر في نهضة الدولة وتطوير مؤسساتها، والعكس تكون نتيجته سلبية وهو الماثل الآن في السودان، وما يؤسف له أن لا بصيص أمل يلوح في الأفق لتغيير في التردي التفكيري.

زر الذهاب إلى الأعلى