عبده مختار يكتب .. الجدل حول شـرعية الجيش في الحكم
عبده مختار يكتب .. الجدل حول شـرعية الجيش في الحكم

بروفيسور عبدهـ مختـار
من الملاحظ في الآونة الأخيرة بدأ البعض يتحدث عن شرعية للجيش وأخذ البعض يقدم تبريرات لهذا الإدعاء. هذا زعم لا أساس له من الصحة.
فقد استمعت قبل أيام قليلة لتسجيل يقول “بأن الجيش السوداني يمتلك شرعية مستمدة” من ثلاث محطات أو وقائع هي أن الجيش السوداني استمد شرعيته: أولاً من يوم استلامه السلطة بعد تنحية البشير وأدخل رموز النظام السابق المعتقلات؛ وثانياً: استمد شرعيته عندما استلم 177 رؤية من قوى سياسية و مدنية و مجتمعية وفئوية و جامعات وغيرها. وثالثا استمد شرعيته عندما اعتقل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك .. ويقول التسجيل: وأنه الآن يدعو للحوار لكي يسلم السلطة للقوة المدنية التي تستحق…
هذا الطرح يحتاج لمراجعة دقيقة، لأن الخلط بين “السيطرة بحكم الأمر الواقع” و”الشرعية الدستورية والسياسية” يضلل الرأي العام ويحاول أن يضفي شرعية زائفة للجيش.
أولاً: ما هي الشرعية أصلاً؟ الشرعية في القانون والعلوم السياسية لها مصادر محددة وواضحة، ولا تشمل أياً مما ذُكر. أهمها: (1) الشرعية الانتخابية: وهي تفويض مباشر من الشعب عبر صناديق الاقتراع. (2) الشرعية الدستورية: نص دستوري نافذ يمنح جهة ما سلطة الحكم.
(3) الشرعية الثورية التوافقية: وهي إجماع شعبي واسع بعد ثورة يُسقط النظام القديم ويفوض بديلاً.
الجيش السوداني لا يملك أياً من هذه المصادر الثلاثة.
كذلك يجب التمييز بين “الأمر الواقع” و”الشرعية”: الجيش يملك القوة والسيطرة بالأمر الواقع de facto، لكن الشرعية بالقانون de jure يتحقق من أحد مصادر الشرعية المذكورة آنفاً.
ثانياً: حول المصادر الثلاثة المذكورة في الادعاء: 1. ” استمد شرعيته يوم استلامه السلطة بعد تنحية البشير”:
استلام السلطة بعد فراغ دستوري لا يمنح شرعية. هو ملء للفراغ بحكم الأمر الواقع. اللجنة الأمنية للبشير، بقيادة ابن عوف ثم البرهان، تسلمت الحكم لامتصاص غضب الشارع. لو كان الاستلام المجرد مصدر شرعية، لأصبح كل انقلاب عسكري في التاريخ شرعياً. الشرعية تُمنح من الشعب، لا تُستمد من انهيار النظام السابق. ثورة ديسمبر قامت ضد البشير ومنظومته العسكرية والأمنية معاً.
2. الادعاء: “استمد شرعيته عندما استلم 177 رؤية من قوى سياسية ومدنية”: استلام الرؤى هو عملية استشارة، وليس تفويضاً بالحكم. كثير من الجهات التي قدمت تلك الرؤى كان مطلبها الأساسي هو “الحكم المدني الكامل” ورفض استمرار العسكر. لا يمكن تحويل المطالبة برحيلك إلى تفويض لبقائك. الاستشارة لا تساوي البيعة. الشرعية الشعبية تعني تأييداً صريحاً وواسعاً لحكمك، وليس مجرد تقديم مقترحات لك وأنت في السلطة.
3. الادعاء: بأن الجيش “استمد شرعيته عندما اعتقل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك”: هذه هي أضعف الحجج. اعتقال الشريك المدني الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية هو انقلاب على الشراكة التي وقعها الجيش نفسه. الفعل القسري لا يمنح شرعية بل ينزعها. الوثيقة الدستورية 2019 هي السند التوافقي الوحيد الذي كان يمنح المكون العسكري دوراً انتقالياً. الانقلاب عليها في 25 أكتوبر 2021 أسقط هذا السند. لا يمكن الاحتجاج بشرعية وثيقة بعد تمزيقها.
ثالثاً: الوضع الحقيقي للجيش: الجيش الآن موجود في الحكم بسبب ظرفين فقط: حكم الأمر الواقع: يملك القوة والسلاح ويسيطر على الأرض. وفشل القوى المدنية: وفشل القوى المدنية في التوحد وتقديم قيادة موحدة . وهذان الظرفان يفرضان على الجيش واجباً تاريخياً بالانسحاب وتسليم السلطة، ولا يمنحانه حقاً في البقاء. القوة لا تصنع الشرعية. والفراغ لا يبرر احتلال المنصب.
رابعاً: فضلاً عن غياب الشرعية، فإن انحياز قيادة الجيش الحالية لجهات محسوبة على الحركة الإسلامية، وهي الجهة التي ثار عليها الشعب السوداني، يجعل بقاءها في الحكم خصماً على مطالب الثورة لا تحقيقاً لها.
لا يمكن لمن كان جزءاً من المشكلة أن يدعي أنه مصدر الشرعية لحلها.
أخيراً وبصورة عامة: الشرعية لا تُنتزع بالدبابة ولا تُستجدى بالرؤى ولا تُكتسب بالاعتقالات. الشرعية يمنحها الشعب عبر تفويض واضح. وما يملكه الجيش اليوم هو سلطة الأمر الواقع، وهي سلطة مؤقتة بطبيعتها، وواجبها أن تنتهي بتسليم حقيقي للمدنيين، لا أن تبحث عن تبريرات للاستمرار.
البروفيسور/ عبـدهـ مختـار مـوسى
أستاذ علوم سياسية، باحث وأكاديمي مستقل.
……………………….
(تلقى كل دراساته بجامعة الخرطوم، عضو الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، حصل على وسام الباحث المميز من منصة ARID العلمية في بريطانيا عام 2023؛ له 10 كتب وعشرات من البحوث المنشورة في الدوريات العلمية المحكمة، وشارك في أكثر من 40 مؤتمر دولي، وأشرف على أكثر من 100 رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراة، عمل عميدا في جامعة نيجيرية عام 2015).