مقالات

عبده مختار يكتب.. المـدنيــة المفتـرى عليـها

عبده مختار يكتب.. المـدنيــة المفتـرى عليـها

قالت لي شابة خريجة جامعة: (ما عايزين مدنية). قلت لها: ليه (لماذا)؟ قالت: “لأن المدنية هي المخدرات وتبرج الفتيات بالليل (زي ما شفنا أيام الاعتصام)”!
قلتُ لها “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.” إلى هذه الدرجة وصل تشويه المدنية في عقولكم؟!
قلت ليها المخدرات دي دخلت في عهد منو (مٓن)؟ والتبرج انتشر في عهد منو؟ منو الحاكم من 1989 لـغاية 2019؟؟!!
قلت لها المدنية ليست هكذا، هي العكس تماماً لأنها لا تعني الفوضى بل تعني دولة القانون وبالتالي الانضباط وليس المخدرات وغيره.. فهي تعني الديمقراطية وبالتالي تعني الحقوق والحريات العامة (الحريات المنضبطة المحكومة بالدستور والقانون).
بالنسبة لموضوع التبرج أو الانحراف السلوكي للبعض فإن ذلك مرتبط بالتربية في الأسرة والمجتمع السليم والحاكم القدوة (وليس الفاسد/المفسد). ثم إن هؤلاء الشباب (من الجنسين) لم يتربوا في عهد المدنية بل في فترة الحكومة العسكرية/الإسلاموية (ابتداءً من عام 1989 وما زالوا)! إذن هم تربية “الإنقاذ”! أو بالأحرى هم ضحايا لفترة تآكلت فيها القيم والأخلاق وانتشـر فيها الفساد والإفساد.
بالنسبة للمخدرات، فقد دخلت السودان حاويات عدة مرات في فترتهم هذه. قضية حاويات بورتسودان الشهيرة أبريل 2018 حيث ضبطت جمارك البحر الأحمر 5 حاويات قادمة باسم “ذرة مقروش”، إحداها احتوت على 165,956 حبة كبتاجون مخدرة بما يعادل (29,540) كيلوجرام. محكمة جنايات بورتسودان حكمت بالسجن المؤبد على 4 متهمين من بينهم أجنبي. ولماذا لم يكشفوا عن الأسماء؟ ولماذا تأخر القبض على الأجانب؟ علماً بأنه كانت قد دخلت البلاد حاويات أخرى: في ابريل 2014 واكتوبر 2015 ومايو 2017 ويناير 2018!!
المدنية تعني هنا الحكم المدني مقابل الحكم العسكري. وهي ليست مقابل (قروي) كما زعم أحد المعلقين على أحـد مقالاتي السابقة! مقابل القروي هي (مديني) – أي سكان المدن، ومنها المواطن (citizen) والمواطنة (citizenship) والصفة منها بالإنجليزية (civic).
أما المدنية المقصودة – وتعرضت لتشويه في عقولكم – هي مقابل “العسكرية”؛ أي بالإنجليزية civilian مقابل عسكري (military). وهي تعني الحكم الديمقراطي، حكم المدنيين، مقابل حكم العسكريين، وليس لها علاقة بالمخدرات والسلوك المنحرف فذلك نتاج لنوعية الحكام وسياساتهم وسلوكهم السياسي ومدى التـزامهم الأخلاقي بأخلاق الشعب. فالمجتمع السوداني قبل مجيء هؤلاء كان مجتمع مستقرا ومتماسكاً وكان الشعب متسامح تسود بينه المحبة والعلاقات الإجتماعية الجميلة ويتميز بقيم وأخلاق فريدة، وكل العالم يعرف الشعب السوداني بهذه الميزات.
أما على مستوى الدول في العالم فإن كل دول العالم المستقرة والمتطورة هي الدول التي تحكمها حكومات مدنية وليست عسكرية. والأمثلة لا يسعها هذا الحيـز الضيق.
فأقوى وأكثر دولة مستقرة سياسياً ومتطورة في العالم هي الولايات المتحدة الأمريكية والتي منذ تأسيسها قبل 250 عام هي دولة مدنية.!
أنا عملت أستاذا جامعيا في نيجيريا في 2014/2015. نيجيريا لم تستقر منذ استقلالها عام 1960، حيث مرت عليها ستة انقلابات عسكرية، أكثر من 30 سنة حكم عسكري. لم تستقر إلا بعد أن طبقت الديمقراطية (أي الحكم المدني) منذ 1999 وحتى الآن هي مستقرة بـ “المدنية” منذ أكثر من 25 عاما!!
هنالك أمثلة كثيرة في العالم لدول كانت عسكرية ولكنها لم تستقر ولم تتطور إلا بعد أن طبقت الحكم المدني (اللاعسكري). فمن نماذج الدول المدنية/الديمقراطية الناجحة:
*ألمانيا: من رماد هتلر إلى قوة اقتصادية*: تحولت ألمانيا من دولة عسكرية مهزومة (أدولف هتلر) لدولة مدنية رائدة في 70 سنة فقط. فهي دولة مدنية/ديمقـراطية منذ عام 1949 والآن اقتصادها رقم (3) عالمياً؛ أصبحت دولة قانون وحقوق إنسان، بينما عندما كان يحكمها العسكر دمرت العالم في حربين!
*اليابان: دستور منع العسكر فصنع المعجزة*: دستور مدني بعد 1945، منع الجيش من الحكم. فتحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. قبل المدنية كانت تعيش في حروب ودمار، بعد المدنية تحولت لمعجـزة اقتصادية. أي كان نتاج المدنية هي الاستقرار والتطور والتكنولوجيا.
*كوريا الجنوبية، من الفقر لسامسونج*: لم تتطور إلا بعد أن ذهب العسكر للثكنات. كانت حتى عام 1987 تعيش في فقـر وقمع، من عام 1988 تحولت لديمقراطية فقـفـز دخل الفرد من 2000 دولار إلى 35000 دولار حالياً. كان نتاج المدنية (سامسونج وهيونداي …). والأمثلة كثيرة – تشمل دول في مناطق مختلفة في العالم من بينها دول غرب أوروبا وكندا وسويسرا والسـويد والنرويج وماليـزيا …إلخ.
القاسم المشترك بين هذه النماذج: فصل الجيش عن السياسة (مهمته معروفة ومحددة)، وتداول سلمي للسلطة، وقانون فوق الجميع – يكون الناتج استقرار ورخاء ورفاهية prosperity .
ثم أنظروا للدول التي تحكمها العسكرية تجدون أنها مضطربة وتعاني من الفقر والحروب (*ميانمار*: أغنى من ماليزيا وتايلانـد لكن بسبب حكم العسكر شعبها يهرب بالمراكب، هنا يقول البعض: “العسكرية دمرت لؤلؤة آسيا”).
*باكستان*: الجيش يحكم لكن الاقتصاد ينهار. كل تاريخها انقلابات: حروب مع الهند مع طالبان … وديون صندوق النقد الدولي. في الفترات المدنية القصيرة شهدت نمـو نسبي)
*فنـزويلا*: الحكم العسكري فيها حولها من دولة بترولية غنية لشعب يقتات من الزبالة. التضخم وصل 130000%.
*السـودان*: حكم العسكر فيه أكثر من 80% من عمره بعد الاستقلال: دخل في أطول الحروب في أفريقيا. وأصبح شعبه فقيـراً بينما الدولة غنية جدا بالموارد والسبب أن الذين يجب أن يحكمونه تم تشريدهم فشهد لهم كل العالم بالكفاءة وتميزوا في المجالات كافة – بينما يحكمنا مٓـن عمل على تشـريد رأس المال البشري وتبديد الموارد الطبيعية والثـروات المختلفة وإفقار لشعب لا يستحق أن يكون فقيراً. إنه فقر العقل السياسي والافتقار للضمير الوطني. حرام أن مثل هذا الشعب الطيب وبكل هذه الثروات أن يعيش في فقــر ونزاعات وصراعات وحروب وبؤس وشقاء وتشريد وإهانة لكرامته.

حان الوقت أن يجد الفرصة الذين يستحقون أن يكونوا في القيادة . فهناك الكثير من الكفاءات المستقلة القادرة على بناء هذه الدولة على أسس سليمة حتى ينعم أهلها بالاستقرار والتنمية والنهضة، وهم كفاءات لا ينتمون لأي حزب سياسي، لكن ليس لهم صوت لأنهم ليس لهم منبر، ينتظرون فقط التفويض الشعبي لكي ينعم السودانيون بمواردهم وينعمون بالأمن والاستقرار مثلما فعلت كل الدول المستقرة والمتطورة التي سلكت الطريق الصحيح.

(ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأن تعلمون) – البقرة، 42.

اللهم وليِّ علينا خيارنا.. إنك مجيب الدعاء.

*البروفيسور/ عبدهـ مختار موسى*

أستاذ علوم سياسية، أكاديمي وباحث مستقل

(رئيس اللجنة السياسية لقوى صناع التغيير، مؤسس تجمع الخبراء والعلماء السودانيين)

————

(تلقى كل دراساته الجامعية وفوق الجامعية في جامعة الخرطوم، عضو الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، حصل على وسام الباحث المميز من منصة ARID العلمية في بريطانيا عام 2023، له 10 كتب وعشرات البحوث المنشورة في الدوريات العلمية المحكمة في مختلف الدول باللغتين الإنجليزية والعربية. شارك في أكثر من 40 مؤتمر دولي، أشرف على أكثر من 100 أطروحة دكتوراة ورسالة ماجستير، عمل أستاذ وعميد كلية في نيجيريا 2015)

زر الذهاب إلى الأعلى