منوعات

عبدالله الطيب وأولية الملكية الفكرية لرواة المديح النبوي

بروفيسور إبراهيم القرشي
بروفيسور عبدالله الطيب عليه الرحمة راوي مديح معتق له ديوان (برق المدد بعدد وبلا عدد ) في مدح الحبيب صلى الله عليه وسلم… على غرار البراق الشهير للسيد الختم.. وهو مادح ومحب مترنم بالمديح…  لاحقته بركات آبائه المجاذيب.. فلم تؤثر فيه الحياة بين الأعاجم ولا الاستغراب.. رأيناه وسمعناه.. وهو الذي دعا وصاح وأهاب ونادى في كتبه وفي جلسات المجمع اللغوي بالقاهرة في الستينات إلى رد الاعتبار لأدب المديح النبوي وإدخاله في مناهج الأدب في المدارس والجامعات، لأن في إهماله إخلالا بمنهج دراسة الآداب.
وهو اول من لفت إلى قدم الاهتمام بقضية الملكية الفكرية في الأدب العربي عموما وفي المديح النبوي على وجه الخصوص… وساعود إلى حديثه لاحقا..
أما في المديح النبوي السوداني فاقرأوا معي النصوص التوثيقية الصريحة الطريفة التالية ولاحظوا التواريخ فكلها قبل انطلاق قطار الملكية الفكرية(الويبو wibo) في العالم عام 1970م…
فأقول مع قليل من التحفظ لغياب المكتوب في المملكة السنارية التي كان فيها فطاحلة لم يصل إلينا شيء من شعرهم كما أفاد صاحب الطبقات : يعد الشيخ حاج علي ودحليب (توفي 1784م) هو رائد مدرسة الملكية الفكرية بوضع خاتمه المعتق المشهور في قوله :
اسمي عين و لام يا بغني ليك لبيب
نسبي الشلفاب والدي المسمى حليب
في اوصافك قليل قافي العليك بجيب
واقع عن نساك بين الدواك والحيب
ثم جاء بعده شيخ مداح الفادنية محمد حسن ود حاجة ( توفي1872م) فوضع ختم ملكية طريف شامل في قصيدة بناها على حروف المعجم وذلك قوله :
تمت الحروف الجوز
واتمنيت شراب الكوز
للفادنية غير مفروز
خصوص الحاج خليفة القوز
راوي محمد الاوزان
و امي انا حاجة في النسوان
ابوي حسن اسمو في الإنسان
عليه الرحمةوالغفران
ثم اعقبه معاصره حاج احمد اب كساوي(1886) في عام التفاتة اوروبية سريعة للملكية الفكرية فأبدع في قوله:
قال احمد سميك ياطه ليك غنيت
والدي الحاج محمد بي اب كساوي فشيت
جوِّه نسبتي وجيراني والحبيت
جملة من رآني وقولِّي انت عُفِيت
الصلاه والسلام كرات لكوك اهديت
ماصبت مطور والنبت لي الموليت
ثم جاء بعدهم بمُدَيدة أحد فطاحلة مداح الشمال وهو على تجويده من المغمورين…أعني الشيخ حاج محمد ود سوركتي(توفي 1920)…وسور كتي تعني شيخ الخلوة او الكُتَّاب..قال في توثيقه المفصل :
الراوي النظم رتابي
دهمشي شهدي سوركتابي
مشهور اسمي شيخ كتاب
أروي وانم واقرا كتابي
في العقد المصون مضرابي
في شلوف حليب خضرابي
وتمضي الأيام فنلتقي بشعراء الجعليين…ولايترك الجعلي الفخر بقبيلته حتى تدع الإبل الحنين.. يقول الشيخ أحمد ود سعد :
مولانا يا وهابِ صل على الأوابِ
ود سعد السعدابي توب عنه ياتوابِ
والسعداب فرع مورق في دوحة الجعليين الوارفة…
ويتعمق أكثر ويخصص فيقول :
اغفر لي والدتي ولزينب زوجتي
ونفيسة بنيتي كنفيسة السيدة
ودسعد المعترف بي مدحكم عرف
عنكم لا ينصرف من فيضك يغترف
وقال جعلي آخر :
فضل المولى قال لك يا اب جاها شمل
انا جيتك وقيع بي اهلي اولاد جعل
وابدع جعلي عباسي ثالث وهو مجود مغمور عند المؤدين وهو الشيخ محمد اب خشبة او ابو خشيبة(توفي 1940).. وهو القائل :
أب خشبة للبطال فعل عباسي من اولاد جعل
اعفاه يا اب نورا شعل كونك حليم نافي الزعل

هذا وبعد النشر نبهني ابني احمد عثمان لمقطع نادر لجعلي رابع هو حاج احمد ود مصطفى شاعر الرباطاب ومادح كدباس وخادم الجناب…هو قوله في (نادي يا منادي ) :
دخلنا حارمينا
طايفين ببيت الله، بي خشعة لبّينا
الحجر مسّينا
سنة وكتاب مندوب، الحجة وفّينا

الحُب مجلِّينا
اتحيروا الزوّار، متعجبين فينا
نحن الفخر لينا
من جَدَنا العباس، والوادي وادينا

ونختم بجعلي خامس من معقل الجعليين وفي سُرَّة مداح السافل..وهوالمبدع ابن المبدع سليل المبدعين الشيخ حاج محمد ود صالح الامين(توفي 1950) وقد أورد سلسلة جدوده من مداح الجناب في قوله :

كوني متحسب
في الحسيب مجدي للنسيب انسب
مادح ابن مادح سته جدود أحسب
خادمين جاهو الكاسدُو متكسب
الصلاة الواردة
للرسول تمضي وتهلك الماردة
المحليها نظمو بالشاردة
ابن صالح تقيه توكِّلو الباردة
كلهم متكسبون وكاسبون ياشيخنا ولا كاسد فيهم إن شاء الله…فإنهم أصحاب تجارة لا تبور…
وبين هؤلاء وأولئك استمر التوثيق المعهود بالاسم العادي عند الجميع ابتداء برفيق ودحليب ومعاصره وشريكه في أولية المديح (المزعومة).. النقر ودالشاعر في الطبقةالأولى..ويليهم حاج العاقب والدقوني الكبير و ودتميم وصالح الامين واضرابهم في الطبقة الثانية ثم حاج الماحي والقريشي ورصفاؤهم في الطبقة الثالثة ثم ودسعد وطيفور واب شريعة وحياتي والشريف ثم الأمثل فالأمثل إلى يوم الناس هذا..لاتخلو من التوثيق قصيدة مديح لأحدهم حتى غدا ذلك جزءاً لا يتجزأ من هيكل قصيدة المديح النبوي في السودان.


قال البروفيسور عبدالله الطيب في (المرشد) بعد أن اورد خواتيم قصيدة الصرصري الرائية الشهيرة :
يامُزجِيَ الخُوصِ النواجي في الشَّسُوع المُقفِر
إن جزت عن وادي العقيق نحو سلع فانظرِ
تلك القِبابَ البِيضَ إن عاينتها فَكَبِّرِ
وقف تجاه الحجرة العلياء خيرِ الحُجَر
وحيِّ من خيَّم في ذاك الجنابِ الأطهر
تحيةً طيبةً عن العبيد الأصغر
يحيى بن يوسفَ بنِ يحيى المذنبِ المقصِّرِ
وقل عُبَيدُ برِّكم ثاوٍ بأرضِ صَرصَرِ
قال أستاذ الأجيال :
“فقد نسب نفسه كما ترى..وهومذهب للمُداح قديم . وقد يعلم القارئ الكريم قول عمير بن شبيم القطامي :
من مبلغٌ زُفَرَ القيسيَّ مِدحته
عن القُطامي قولا غير إفنادِ
وقال عمران بن حطان في كلمته النونية :
[حتى إذا خِفتُه زايلتُ منزله] من بعد ماقيل عمران بن حطانا
وقد سنَّ مُداح الرسول صلى الله عليه وسلم الأولون ذكر أسمائهم و أنسابهم ، فعل ذلك حسان [بن ثابت] في كلمته التي قال فيها :
إن جدي خطيب جابية الجو
لان عند النعمان حين يقوم
وأبي في سُميحةَ القائل الفا
صل حين التقت عليه الخصوم
وفعل ذلك كعب [بن زهير] حيث قال :
تسعى الوشاة جنابيها وقولهم
إنك يابنَ أبي سُلمى لمقتول
فبذلك اقتدى مداح الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد”……( المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها).. وكتابي: (مدح الرسول…المستل من المرشد ص192)
وبعد ؛ افلا يرى الأحباب أن اسلافنا ادركوا قيمة التوثيق وحرصوا على الملكية الفكرية قبل أن تلتفت إليه الوايبو (Wipo) المنظمة العالمية للملكية الفكرية ( World Intellectual Property Organization)‏ وتعرف اختصاراً بـ : (ويبو) ( WIPO)‏ ، وهي منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة، تعمل من أجل تعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية. ظهرت بعد انعقاد مؤتمر باريس للملكية الصناعية في 1883م ..ومؤتمر حماية المصنفات الأدبية والفنية، الموقّع في سنة1886م.. .تأسست في سنة 1967م وانطلقت سنة 1970. مهمتها فرض الاحترام للخصوصية الفكرية في العالم بأسره، إضافة إلى حماية حقوق الفرد الملكية (صور، أغاني، فنون ، شعر، نثر…)…
وسبقُ الرواة المادحين كما رأيت هو تأريخ لم نَلْوِ فيه عنق حقيقة..وما أكثر الأشياء التي ابتدرناها واختطفها غيرنا وأتمها وادعاها… ومانزال أمة مستهلكة..ولا ادري إلى متى؟! فالله المستعان…
إ

زر الذهاب إلى الأعلى