حميدتي أمام حمدوك .. لقاء “الإحماء” للدخول في معركة حماية “الانتقالية” !!

تقرير : عبدالناصر الحاج
بين رئيس الوزراء ،عبدالله حمدوك، وقائد قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو، ثمة تحالف سياسي واستراتيجي كان يتحدث به المراقبين والنشطاء منذ بدايات تشكيل الحكومة الانتقالية، ولقد ظل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك دائماً ما يؤكد على أن الشراكة مع العسكريين تعتبر نموذج إيجابي يعبر عن طبيعة الانتقال الاستثنائي الذي شهده السودان بعد سقوط البشير، لذلك ظل قائد قوات الدعم السريع يحرص على الإشادة برئيس الوزراء ويؤيد كل قراراته في كثير من المناسبات، كان آخرها إعلانه مُبكراً لتأييد مبادرة حمدوك لتأمين الانتقال والسير به للأمام. ولقد جاء لقاء البارحة بين الرجلين، تأكيداً على أهمية تعزيز التعاون بين الجهاز التنفيذي للحكومة والمؤسسة العسكرية، خصوصاً وأن البلاد تشهد هشاشة أمنية بائنة، وبات الأمن هو أحد أهم مطالب الناس في ظل تنامي التفلتات الأمنية داخل العاصمة الخرطوم وخارجها، كما أن اللقاء جاء للإسراع بإجراءات تنفيذ الترتيبات الأمنية مع كافة جيوش الحركات والفصائل الأخرى المُسلحة، وذلك لخلق جيش مهني واحد وبعقيدة قومية واحدة.
(1) حمدوك في ضيافة الدعم السريع..
خطاب تفصيلي لمعنى الشراكة بين العسكر والمدنيين
استقبل الفريق أول محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة قائد قوات الدعم السريع عبد الله حمدوك رئيس مجلس الوزراء في مقر قيادة قوات الدعم السريع اليوم . وأشاد حمدوك لدى مخاطبته قيادات قوات الدعم السريع بقوات الدعم وقائدها دقلو للاسهامات الكبيرة التي يقوم بها في صيانة والحفاظ على وحدة تراب الوطن ومنع النزاعات داعيا إلى العمل على تطوير قطاع التعليم ورفد قطاع الخدمات . وأمن على ضرورة إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية ليكون جيشا واحدا حسب ما اقتضته الوثيقة الدستورية، مؤكدا لن يكون هناك استقرار للاوضاع في البلاد بدون إكمال هذه الاصلاحات ومشيرا إلى أن زيارته هذه تأتي في اطار سلسلة زيارات ظل يقوم بها من أجل التشاور في كيفية مواجهة التحديات التي تجابه الفترة الانتقالية. وقال أن الغاية هي جمع كل الجيوش لتنصر في جيش واحد صونا للأرض والعرض ودفاعا عن تراب الوطن. وشدد على ضرورة اكمال التعاون بين العسكريين والمدنيين من أجل إتمام مهام وأهداف الفترة الانتقالية مشددا على ضرورة استكمال مؤسسات الدولة وأجهزة الحكم المتمثلة في المجلس التشريعي من أجل العمل على تحقيق أهداف الفترة الانتقالية والوصول بها الى بر الامان وارساء دعائم الدولة المدنية داعيا الى تجنيب البلاد الوقوع في خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية واقصاء الآخر. وقال حمدوك لدى مخاطبته الدعم السريع، أنه وعلى الرغم من أن لديه لقاءات منتظمة مع قائد أول وقائد ثاني الدعم السريع، إلا أن رغبته الأكيدة كانت في مقابلة الضباط وضباط الصف والجنود في دارهم، قائلاً فهم بتحملهم لجزء كبير من المسؤولية تجاه حماية الوطن والشعب وممتلكاته يستحقون التقدير، خاصة المساهمة في منع حدوث النزاعات وحماية المواطنين في المناطق الحدودية ومناطق التداخل بين المكونات الاجتماعية. وأضاف حمدوك إن هذه الزيارة هي مواصلة لسلسلة زيارات مماثلة قمت بها للمؤسسات ذات الطابع العسكري والأمني، وهي تأتي في إطار دعم الانتقال المدني الديمقراطي، وللتأكيد على الأسس والأهداف التي توافقت عليها كل أطراف السلطة الانتقالية وكانت الوثيقة الدستورية نتاجاً لها. وتابع : لقد أشرت في خطاب مبادرة الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال- الطريق إلى الأمام؛ إلى أن قوات الدعم السريع ذات طبيعة خاصة، وساهمت بدور إيجابي في التغيير، كما أكدت على أن إصلاح القطاع الأمني والعسكري قضية مفتاحية لكل قضايا الانتقال، وبدونها لا يمكن حل بقية القضايا، بما فيها بناء الدولة المدنية نفسه وقيام الجيش الوطني الموحد. وأردف حمدوك : إن أعظم الجيوش في العالم هي تلك التي تنحاز لخيارات شعبها، وتعلمون أن الشعب السوداني في ثورته العظيمة في ديسمبر قد اختار طريق الديموقراطية والدولة المدنية، ولذا صار واجبكم الأسمى هو الحفاظ على الدستور ودعم التحول المدني الديموقراطي، وللعسكريين دور محوري في سائر القضايا التي طرحتها المبادرة، فقضية مثل تشكيل المجلس التشريعي يتأثر بها المدني والعسكري، وكذلك قضايا استقرار الاقتصاد والسلام وتحقق العدالة والسياسة الخارجية والسيادة الوطنية، وبهذا الفهم فإن الفصل بين العسكريين والمدنيين لا يعدو أن يكون مجرد فصل وظيفي ومهني، بحيث يجب ألا يبدو وكأنه تمييزاً أو تمايزاً في الحقوق والواجبات لأهل الوطن الواحد الموحد. ومضى حمدوك في مخاطبته بالقول : ورغم أن البعض قد يظن أنني أكثرت من الحديث عن الشراكة بين المدنيين والعسكريين إلا أن ترديدي لهذا الحديث يظل الغرض منه دائماً، التأكيد على أن هذه التجربة الفريدة لا تنبع إلا من الشعب السوداني الذي له إرث وتاريخ في الثورات والتغيير وتجارب الانتقال، وهذا التراكم وهذه الخبرة جعلته يطور من أدواته لتحسين وتحصين الانتقال الحالي، كي لا يحدث انتكاس يذهب بكل التضحيات التي بذلها الشعب السوداني خلال ثلاثين عاماً من النضال بمختلف الأساليب، وهناك غرض آخر من إصراري بالحديث عن التعاون بين المدنيين والعسكريين، وهو تعزيز الأسباب التي تدفع بنجاح هذه التجربة من أجل تحقيق المصلحة الوطنية العليا ومن أجل حدوث انتقال سلس يفضي لديمقراطية مستدامة. ثم ذهب حمدك إلى الحديث عن دور قائد قوات الدعم السريع في المشهد الانتقالي، قائلاً: لقد كان الدعم الذي قدمه قائد قوات الدعم السريع للمبادرة مؤشر واضح على إيمانه بضرورة القيام بما ينتظره الشعب السوداني في هذه المرحلة من الانتقال، ويجب على قوات الدعم السريع أن تفهم رسالة الفريق أول (حميدتي) بأنها تقع في موضع الالتزام بمتطلبات الدولة الوطنية الديمقراطية، باحترام القوانين، وتثبيت ركائز الحكم الديمقراطي، وقد تابعت في هذا الصدد الاتجاه الإيجابي الذي تقودونه بالانخراط مع مؤسسات الدولة المعنية في برامج حقوق الإنسان وحقوق النساء، مشيراً لضرورة الاهتمام ببرامج التعليم والتأمين الصحي خاصة للشباب من منسوبي الدعم السريع، وختم حمدوك حديثه أمام قوات الدعم السريع بأن الشعب السوداني ينتظر أن تتحقق أحلامه في الحرية والسلام والعدالة وذلك يحتاج إلى تضافر جميع الجهود لتجنب الوقوع في مصيدة خطاب الكراهية الذي يفرق ولا يجمع، ويشتت الجهود نحو حلول جزئية لقضايا يمكن أن يتم حلها بشكل شامل من خلال التمسك بما طرحته الثورة من شعارات.
(2) حميدتي وحمدوك
تعهدات غليظة بتحقيق أهداف الفترة الانتقالية
ولم يكن رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، وحده من يشدد على المحافظة على الفترة الانتقالية وتحقيق أهدافها، بل لم يكن هو وحده الذي ظل يردد أهمية الحفاظ على نموذج الشراكة الإيجابية بين العسكريين والمدنيين، ومن جانبه، قال النائب الأول لرئيس مجلس السيادة، قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي، إن زيارة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ، لمقر القوات، تُجسد بشكل واضح وصريح معاني ومضامين الشراكة بين طرفي الوثيقة الدستورية عسكريين ومدنيين، كما تمثل أيضاً تأكيداً على الروح الوطنية التي نمضي بها جميعاً، في إدارة السودان خلال هذه المرحلة المهمة. وأكد حميدتي، أن قوات الدعم السريع ستظل على عهدها بالمحافظة على أمن السودان واستقراره، والحرص على تحقيق أهداف الفترة الانتقالية المتمثلة في تحقيق السلام الشامل وبناء دولة المواطنة، وصولاً إلى ديمقراطية حقيقية عبر انتخابات حرة ونزيهة. وقال حميدتي، أن الظروف المعقّدة والحسّاسة التي تمر بها البلاد والتي يتحملها الشعب بعزيمة وصبر تتطلب جهداً أكبر من الذي نقوم به الآن، لرفع المعاناة عن المواطن الذي يعيش ظروفاً قاسية بحثاً عن لقمة العيش الكريمة. وأضاف “يحدث كل هذا في ظل تعقيدات وانقسامات كبيرة في المشهد السياسي وهشاشة في الأوضاع الأمنية وتنامي خطاب الكراهية، والعنصرية والجهوية والقبلية”.
(3) على أصداء اللقاء..
جدل ساخن على منصات التواصل الاجتماعي
وفي الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء وقائد قوات الدعم السريع يتبادلان خطب التأكيد على المُضي في تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية وتحقيق السلام الشامل وترسيخ قواعد جديدة للبناء الوطني، كانت “حساسية” اللقاء تُقاس درجات حراراتها على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم رواد التواصل بين مؤيد ومستهجن للقاء. ويرى أنصار الحكومة الانتقالية بأن اللقاء يحمل في طياته رسائل كثيرة في بريد المُخربين والمتآمرين على الثورة والحكومة الانتقالية، بأن الشراكة بين العسكريين والمدنيين تمضي نحو ضوابط جديدة أساسها الإلتزام بتحقيق أهداف الثورة السودانية والتأسيس لتحول ديمقراطي حقيقي، كما أنها تضع رسائل ساخنة في بريد الذين يدفعون بالتفلتات الأمنية لإرباك المشهد السوداني. أما الرأى الآخر حول الزيارة، فقد استهجنه كثير من الثوار الذين ينظرون إلى قوات الدعم السريع بأنها كانت طرف أصيل في مجزرة فض الاعتصام، وأن هذا الملف لا زال بعيداً عن العدالة والقضاء، ولذلك هم يرون أن رئيس الوزراء بزيارته كأنه قد منح الدعم السريع اعترافاً جديداً بأحقيته بأن يكون جزءاً لا يتجزأ من المشهد الانتقالي كقوات خارج مؤسسة الجيش السوداني ولا تخضع للهيكلة أو إعادة الدمج، بيد أن هذا الرأى دحضه آخرون بتذكيرهم بأن حمدوك تحدث أمام الدعم السريع بضرورة توحيد الجيش السوداني في جيش واحد قومي ومهني، توحيداً لا يستثني حتى الدعم السريع، ومضى أصحاب هذا الرأي للتأكيد على أن حمدوك نفسه يدرك تماماً لأهمية التنسيق مع قوات الدعم السريع في ظل هشاشة أمنية يعيشها السودان، وفي وقت يتحدث فيه الناس عن ضعف المردود من قبل قوات الشرطة والأجهزة النظامية الأخرى.
الجريدة

