نساء على حافة الخطر .. التنقيب عن (الخرصانة).. تفاصيل موت محتمل

الروصيرص/ حي قيسان: ماجد القوني
كانت تحتاجُ للقليل من العدس والزيت وبعض الأرغفة لأطعام صغارها، ليس وهناك مجال لتدبير الاحتياجات سوى البحثُ عن بعض الخرصانة لبيعها في الطريق، أربع كيلومترات تنتظرها لتدبير (10) جوالات من الخرصانة لتوفير الوجبة، خرجت (ف) برفقة جاراتها صباح ذلك اليوم ترفعُ أكفها تستجدي السماء أن تُمطر عليها بعض بركاتها، عبرت النهر بكامل ملابسها، ولأن الجوع لا ينتظر وليس هنالك وقت لتجفيف ملابسها، بدأت الحفر تحت إحدى التلال، مخزون (الخرصانة) كان وفيراً، بدأت الجوالات تمتلئ وهي تتعمق في الحفر.. فجأة أنهار عليها الجرف.. صاح النسوة.. هرعن نحوها.. أمتدت الأيادي الهزيلة تنبشُ التراب لأخراجها.. ظهرت أرجلها، نصفها، صدرها ثم وجهها.. لكنها كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة تحت وطأة ثقل التراب.. مضت (ف) يومها ولم يتغدى الصغار.. حملنها إلى مثواها الأخير تتقاطر دموعهن.. بعد يومين من العزاء عدن مجدداً للتنقيب عما تبقى من (خرصانة) وتظل الحُفرة التي دُفنت فيها (ف) ثُقباً في خاصرة القلب يجتهدن في تفادي النظر إليه.
تشاركية الرزق
عادة يأتي أحدهم لشراء كوم (الخرصانة) من إحداهن، يدب الخلاف حينها ليصل أحيانا حد الاشتباك، لاختيار الزبون بضاعة إحداهن دون الأخريات، لحسم الأمر وايقاف الخلافات، تعاقدن على أن يقتسمن الرزق على ضيقه، فتقسم التي اختارها الزبون على رفيقاتها فإذا طلب الزبون (٣٠) صفيحة مثلا، تقسمها عليهن جميعا.. ماهي مبررات تشاركية الرزق هذي؟ تقول (ازدهار): خرجنا جميعنا من أجل الحصول على الرزق، ولأنه لا يأتي بصورة مستديمة، نقسمه على الجميع، وقيمة صفيحتين أو ثلاثة تكفي لتدبير وجبة يوم، أو شراء بن وشاي، أو تسيير بعض أمور الحياة..
منجم الخرصانة
الوصول لمنطقة التعلية بمدينة الروصيرص لم يك سهلا، حيث تبرعت (ازدهار) واليافعة (ألاء) بأن تصفا لنا الطريق، انتهزت أخريات الفرصة لجلب بعض الماء من النهر الذي قلنّ أنه قريب، لنكتشف بعد ذلك أن المسافة تقدر بـ(٤) كيلومترات، هي ذاتها المسافة التي يقطعنها في اليوم أكثر من خمس مرات، محملين بالماء ومرات أخر بجوالات (الخرصانة).. التي يعبرن لها النهر أكثر من عشرين مرة في اليوم، بحمل يقدر بثلاثين كيلو جرام من (الخرصانة) في الرحلة الواحدة، تجمعها النسوة في الضفة المقابلة قبل ترحيلها لموقع البيع في طريق الروصيرص الدمازين.
(إزدهار) بجسمها النحيل أكثرهنّ قُدرة على حكاية قصتها وأخريات، ومعاناتهن في الحصول على (الخرصانة) لبيعها بجنيهات، لأكثر من ثلاث سنوات ظلت تعبر النهر مع رفيقاتها عشرات المرات في اليوم لتعول اطفالها السبعة اضافة لأربع فتيات تركتهن شقيقتها قبل أن تصعد روحها، معاناة وقسوة تصل لدرجة الموت تحت انقاض التراب الذي ينهار من جروف الموت التي تخفي في داخلها حبات الخرصانة، قبل أيام تم نبش أحدهم لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أنقاذه، تذهب (ازدهار) إلى أن بيع عُبوة أو أثنتين خلال اليوم يُعتبرُ فتحاً كبيراً لأسرة لا تجد ما تسدُ به رمق أطفالها..
فصل الخريف بالرغم من غيثه الذي يغمرُ به الأرض، إلا أن ارتفاع منسوب نهر النيل الأزرق شمال الخزان، يجعل من أمر التنقيب عن (الخرصانة) أمر غاية في الصعوبة، إن لم يك مستحيلاً. كيف كانت تمضي الأمور في السابق..؟ تقول ازدهار:” الدنيا كانت بخيرها، راجل البيت بيكون شغال وبيكفي البيت، الظروف تغيرت ولم يعد في استطاعة الرجال الصرف على المنازل لكبر سنهم، وعدم وجود عمل من الأساس.
البحث عن الغذاء
تساؤلات كانت بحجم الجهد الذي يُبذل.. ماهي قيمة (صفيحة) الخرصانة..؟ وهل تعادل الجهد المبذول؟ ومعدل البيع في اليوم؟ تقول (حليمة): سعر الصفيحة في الغالب بين (٥٠٠ – ٣٠٠) جنيه، ويصادف أن لا يكون هناك بيع، أو نبيع اثنين أو ثلاثة.. المبلغ ضعيف مقارنة بالتعب الذي نعانيه، ولا يكفي لعلاج الأمراض الناتجة عن العمل في الخرصانة، لكن على الأقل يوفر لنا وأطفالنا وجبة في اليوم.
استغلال النساء
اليافعة آلاء فقدت والدها داخل نفق البحث عن الذهب، لم تكمل دراستها الثانوية بسب الرسوم، ولا عمل آخر يُمكن أن يستوعبها، (الخرصانة) كانت أكثر رحمة من مخاطر العمل في المنازل، تقول أن العمل غير مفيد، والدولة وحكومة الأقليم لا وجود لها، أحيانا يتوقف بعض أهل الأحسان ليمنحوهم بعض المال، أو مواد تموينية.. تُرى كيف يتحمل جسمها النحيل جوالات (الخرصانة)..؟ تقول: في كل مساء أنام وأن مُنهكة القُوى وتكاد تتحطم عظامي تحت وطأة الحمل، واليوم الذي لا أعمل فيه قد لا نجد ما نأكله، هل تركتِ المدرسة..؟ لدىّ الرغبة لمواصلة الدراسة، لكن الظروف لا تسمح بذلك.
وهيبة محمد ربة منزل لديّ تسعة أطفال في مختلف مراحل التعليم، زوجي لا يستطيع وحده تسيير أمور الحياة، قررت أن أنزل البحر واشتغل في الخرصانة ” يوم نلقى ويوم ما نلقى جنيه”، ليس هناك سعر ثابت للصفيحة، وإن كان الاتفاق على كونها أكثر من (300) جنيه، وتضيف: أحياناً تدفعنا الحاجة وضيق ذات اليد لبيعها بـ(200) لتوفير بعض الخبز، أصحاب الشاحنات يستغلون حاجتنا للمال ويخفضون الأسعار، العمل في الخرصانة أكبر وأقسى من قدراتنا، و” لو ما الجبر” لا يمكننا حمل الأثقال والحفر بالقرب من البحر حتى تدمي أيدينا وتسيل الدماء، نتمنى من الجهات المسؤولة أن توفر لنا بدائل لمصادر دخل مختلفة تستوعب قدراتنا، العمل في الخرصانة مُرهق ولا يتناسب مع قدراتنا كنساء.
هل يمكن أن تكون الزراعة بديل لنساء (قيسان)..؟ تُجيب وهيبة.. الزراعة بالنسبة لنا خيار جيد، لكن تحتاج للمال لتمويلها واستئجار الأرض، ولعدم وجود المال لجأنا لخرصانة، واحياناً نفشل في سداد قيمة الترحيل من البحر لصاحب (الكارو)، لكنه يتعامل معنا..حول الزراعة تقول إحداهنّ: كنا في السابق نقوم بإستئجار الأرض وزراعتها، لكن خلال المواسم الساقة فقدت الأرض خصوبتها ولم تعد تنتج، وفقدنا الأمل في الزراعة.
لأكثر من خمس سنوات تتشابه صباحات سامية الضو وأطفالها السبعة، وتتحدد أمكنتها بين قُطيتها، البحر والمظلة أسفل التلة، حيث سوق (الخرصانة)، تبدأ التنقيب صباحاً وينتصف نهارها بعد تجهيز عشرة جوالات، لحملها في (الكارو) ووضعها في الطريق العام، تذهبُ بيتها لتحضير بعض الطعام لأطفالها، لتعود عصراً للبحر لتحفر من جديد بحثاً عن الخرسانة.
عادات وتقاليد
مجتمع النيل الازرق مليئ بالمآسي والمعاناة خاصة للمرأة والاطفال، هكذا بدأت (زلفى) المُعلمة بالمرحلة الثانوية، مُضيفة: لا تتمثل المعاناة في جمع الخرصانة فقط وتعدين الذهب، بل على مستوى المرأة العاملة في وسط المدينة، لدينا الكثير من المشاكل منها التمييز ضد المرأة، ظروف عمل المرأة في الولاية عموما صعبة جدا.. في الريف تتضاعف المعاناة، ولكي تحصل على الماء تقطع عدة كيلومترات لتحصل عليها من الخيران والأودية أو من النهر. أيضاً العادات والتقاليد تلعب دورا في قهر المرأة، وبعض المجتمعات ترى أن الرجل هو السيد المطاع ويجب أن تقوم المرأة بكل الأعمال، هذا يدل على أن هذه المجتمعات كانت مغلقة لفترات طويلة ليس فقط خلال الثلاثين سنة الماضية ولكن قبل ذلك، ولم يسمح بدخول ثقافات جديدة لتغيير كثير من المفاهيم، ويلعب هنا غياب التعليم دورا كبيرا في تراجع الوعي لدى المرأة.
مكافحة الفقر
الفقرُ هنا يبدو مستوطناً، الحربُ المتهم الأول، وسوء الأدارة عامل آخر يجعل نسب الفقر تتجاوز المعدلات التي تنتشر في السودان، مدير إدارة مكافحة الفقر بالأقليم يرى أن الأقليم غني بموارده، لكن لظروف الحرب والنزوح تغيرّت الأوضاع خاصة الأغنياء منهم، ونسبة الفقر في الولاية تصل لـ80%، في العام 2018 تم مسح 28 ألف من السكان، وتم اعانة 22 ألف منهم عبر مشروع ثمرات، الآن نعيش اسواء الأوضاع بعد توقف الدعم، المستمر فقط الدعم الاستراتيجي من الدولة والهدف منه دعم الأسر الأشد فقراً جنباً لجنب مع أشكال الدعم الأخرى، بعد توقف (ثمرات) أصبح الاستراتيجي هو الأساس، و(3) ألف جنيه للأسرة لا تسوى شيء، وحتى هذه الأخيرة لم تستطع الحكومة أن تفي بها والدعم متوقف لأكثر من (6) أشهر. ويمضي يحيى: شكل المساعدات التي تُقدم في الولاية غير ظاهرة لتعدد الجهات ولم ننتمكن من قياس أثر المساعدات على المحتاجين، وللأسف مع وجود كل هذه المنظمات دائرة الفقر تتسع يومياً، ونعزي ذلك لعدم اتساق ايقاع الشركاء مع بعضهم البعض. العدد المسجل في الإدارة للحصول على الدعم الاستراتيجي (9) ألف أسرة، أما في برنامج ثمرات (20) ألف.
٧٥% من أرباب الأسر نساء
مديرة الأدارة العامة للمرأة والأسرة بولاية النيل الأزرق نجوى أحمد، أشارت إلى أن وضع المرأة سيئ جدا في النيل الازرق ويحتاج لعمل كبير، ظروف الحرب التي عاشها الاقليم جعلت اكثر من ٧٥% من أرباب الأسر من النساء، بسبب فقدان الرجل في الحرب أو الهجرة، مما جعلها تمارس مهن خطرة عليها مثل التعدين، واستخدام مواد تضر بها واطفالها، قضايا المرأة بالأقليم تحتاج لتدخل الدولة وابتكار مشاريع بديلة لتعيش في أمان مع أطفالها، نسعى الآن مع بعض الجهات لخفض وفيات الأمهات وتوفير قروض للنساء لمساعدتهن على الزراعة المنزلية، للأسف لا توجد احصائية للنساء العاملات في الأعمال الشاقة.
أقليم الفقر
حاكم إقليم النيل الأزرق الفريق أحمد العُمدة بادي، قال في أفادته، أن الفقر لا بد منه في إقليم كالنيل الأزرق، الذي حُكم عليه بالحروبات ولم يجد عافيته منذ ١٩٥٦م، وقبل الاستقلال كانت هناك حروبات في هذه البلاد بين الإنجليز والإيطاليين، وفي ١٩٥٥م الحرب الأهلية الأولى (أنانا ون) وجزء من أبناء النيل الأزرق كانوا فيها، ثم في ١٩٧٢ – ١٩٨٣ جاء حروب الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق حتى ٢٠٠٥م، وفي ٢٠١١م أيضاً دخل المجتمع في حرب، استمرارية الحروب في الإقليم كان سبباً في الفقر. أما قيما يخص مشكلة المياه في المناطق التي تفتقد مياه الشرب قال: وجهنا بمراجعة الكرجاكات والخفر ويبدوا أن المنطقة شبه حجرية لا توجد مياه قريبة ولكن نحن بصدد معالجة بخطوط من المواسير في المدن المجاورة التي تم تشييدها خلال تعلية سد الروصيرص هذا من الحلول التي وضعتها في البرنامج.
المُحرر
قال النسوة أن المسؤولون يعبرون أمامهم يومياً، لكن لم يتوقف أحدهم يوماً ليسأل عن سر تجمع النسوة في هذا المكان بشكل يومي، وأمامهنّ أكوام (الخرصانة)..؟ ولماذا تظلمُ المنطقة في وقت يمكنك رؤية خزان الروصيرص من إحدى منازلها..؟ لماذا تعاني المرأة في أقليم النيل الأزرق..؟ الذي يُعتبر الأغنى من حيث ثرواته الزراعية، الغابية، الحيوانية والمعدنية؟
الجريدة

