نبأ استقالة حمدوك ..ثقاب يشعل برودة الخرطوم

الخرطوم: نبتة نيوز
حينما بلغ الثوار ساحة القصر عنوةً واقتدارا في يوم ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة في التاسع عشر المنصرم من هذا الشهر الجاري، لم يكن أحد يتوقع أن تتفرق تلك الحشود هكذا دون أن تكون هناك قرارات سياسية مهمة تعيد ترتيب أوراق المشهد السياسي، لكن القمع الشديد الذي تعرض له الثوار المتجمهرين وقتها في محيط القصر كان أكبر من الاحتمال، بل كان ينبئ بأن السلطات لا تبالي من أن يصبح الوضع كارثياً في حال أصر الثوار على البقاء في ساحة القصر، ولهذا تفرقت الحشود من محيط القصر وهم يعتريهم زهو الانتصار بالوصول إلى ساحة القصر الحاكم، متوعدين السلطات بجولات أخرى أكثر سخونة وتنظيماً، بالمقابل ووفقاً لمراقبين وجدت السلطات نفسها في مأزق تاريخي وهى ترى أن اتفاق البرهان حمدوك بدأ فاقداً لقيمته ومحتواه في أوساط قوى الثورة السودانية، بيد أن غياب الرؤية المشتركة بين مكونات قوى الثورة وعدم اتفاقها على قيادة سياسية بديلة هي المسافة الفاصلة بين الحراك الثوري وإمكانية تحقيق أي نصر منتظر، وفي غضون ذلك فجر نبأ اعتزام رئيس الوزراء عبد الله حمدوك استقالته وانسحابه من المشهد، فجر جدلاً جديداً في الشارع السوداني بين مؤيد ورافض ومتحفظ ومتخوف من تشكيل واقع سياسي جديد على خلفية انسحاب حمدوك من المشهد الانتقالي.
(1)
نبأ الاستقالة..
بيئة داخلية خصبة لـ”الخذلان”
في 21 نوفمبر الماضي، وقّع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك اتفاقا سياسيا يتضمن عودة الأخير إلى منصبه، وتشكيل حكومة كفاءات (بلا انتماءات حزبية)، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفين بالعمل سويا لاستكمال المسار الديمقراطي. ورغم إعادة حمدوك إلى منصبه من دون حكومته، فإن هذا الاتفاق وُوجه برفض المعارضين للإجراءات التي اتخذتها القوات المسلحة في الفترة الماضية. والشاهد يؤكد أن الحراك الثوري الرافض لاتفاق البرهان حمدوك اخذ في التمدد وبدأ يكسب تأييداً واسعاً من قبل قطاعات كبيرة داخل المجتمع السوداني، وأظهر حراك الـ19 من ديسمبر تطوراً نوعياً في صناعة الحشود الرافضة للانقلاب وتنظيمها على الأرض، فضلاً عن الإصرار الكبير من لدن المتظاهرين للوصول إلى محيط القصر، رغم كل الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات لمنع تلاحم المواكب عبر إغلاقها لمعظم الكباري التي تربط منطقة بحري وشرق النيل وأمدرمان مع العاصمة الخرطوم، ووثقت الكاميرات انسحاب قوات الحراسة في الكباري أمام الحشود المتدفقة، وظهور لقطات مصورة تُظهر تجاوب أفراد من الجيش السوداني مع المتظاهرين، وبعد انجلاء التظاهرات عبر القمع الشديد، دعا مجلس السيادة الانتقالي إلى الإسراع في تشكيل حكومة الفترة الانتقالية بالبلاد. وعقد مجلس السيادة على الفور اجتماعا برئاسة البرهان، وذلك في قصر الرئاسة بالعاصمة الخرطوم، بحسب بيان للمجلس. وقالت المتحدثة باسم المجلس سلمى عبد الجبار المبارك -في البيان- إن المجلس شدد على ضرورة الإسراع في تشكيل حكومة الفترة الانتقالية، حتى يتم التوصل إلى مدنية الدولة وتحقيق التحول الديمقراطي. وأضافت أن المجلس أكد خلال الاجتماع على حرية التعبير السلمي. ويوم الأمس نقلت وكالة (رويترز) عن مصادر مقربة من رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك إنه يعتزم تقديم استقالته من منصبه خلال ساعات. وأرجعت المصادر أن حمدوك بصدد تقديم استقالته بسبب عدم وجود توافق بين الأطراف السياسية في البلاد. وقال مصدران مقربان من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لـ (رويترز)، إنّ حمدوك أبلغ مجموعة من الشخصيات القومية والمفكرين اجتمعت معه بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبه. كذلك ذكرت مصادر مطلعة لـRT فجر الأربعاء أن لقاء جمع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، لبحث استقالة حمدوك. وأكدت المصادر أن قوى سياسية تعمل على إقناع حمدوك بالعدول عن قرار استقالته. وأشارت المصادر إلى دعوات لاجتماع يضم القوى المؤيدة لـ”اتفاق حمدوك – البرهان” للتفاهم على أرضية مشتركة بين الطرفين. وأضاف المصدران (إن المجموعة دعت حمدوك للعدول عن قراره، إلاّ أنّه أكّد إصراره على اتخاذ هذه الخطوة خلال الساعات القادمة). وأكدت المصادر أن حمدوك كان يسعى للتوافق من خلال الاتفاق مع البرهان لكن تحركاته تعثرت مع القوى السياسية. ووفقاً لصحيفة (الجريدة)، كشفت مصادر مطلعة عن الأسباب التي دفعت رئيس مجلس الوزراء د.عبد الله حمدوك اعتزامه تقديم استقالته ، وقطعت المصادر بأن السبب الرئيس هو عدم توافق القوى السياسية الثورية والوفاء بما قطعته لرئيس مجلس الوزراء قبل إقناعه بالعودة إلى منصبه مجدداً ، وقالت ذات المصادر لـ(الجريدة) إن المستغرب له أن ذات القوى كانت قد شاركت في التوقيع على الاتفاق السياسي بيد أنها انسحبت من الاحتفالية الخاصة به ، كما عملت هي وقوى أخرى على تخوين رئيس الوزراء ووصفه بالانقلابي، وأشارت المصادر إلى أن رئيس الوزراء ينظر إلى أن المرحلة القادمة باعتبارها مرحلة تجهيز للانتخابات وبالتالي أولويات الحكومة ستكون متركزة في دعم العملية السياسية وفي حال عدم التوافق سيكون ذلك عصياً عليها بل مستحيلاً ، وأردفت “ومن هذا المنطلق يعتزم حمدوك الاستقالة” فيما كشفت المصادر عن تلقي رئيس الوزراء اتصالات من أحزاب بقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي طالبته بالعدول عن الاستقالة. وكانت وكالة “رويترز” ذكرت أمس نقلاً عن مصادر مقربة من رئيس مجلس الوزراء أنه يعتزم الاستقالة من منصبه خلال ساعات. وقال مصدران مقربان من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إن الأخير أبلغ مجموعة من الشخصيات القومية والمفكرين اجتمعت معه بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبه وأكدت مصادر أن رفض الشارع للاتفاق أحد أهم الأسباب وأضاف المصدران أن المجموعة دعت حمدوك للعدول عن قراره إلا أنه أكد إصراره على اتخاذ هذه الخطوة خلال الساعات القادمة.
(2)
مخاوف مشروعة..
ابتعاد حمدوك يدفع سلطة الانقلاب للتمدد الكامل
بمجرد تداول السودانيين لخبر اعتزام حمدوك تقديم استقالته، انقسم الرأي العام السوداني بين مؤيد ومتحفظ ومتخوف، حيث أكد معظم الذين ينخرطون في مقاومة الانقلاب عبر التصعيد الثوري، بأن حمدوك لم يعد فاعلاً ولا يمثل جدوى كبيرة في المشهد الانتقالي، وأن الحراك استمر ضد الانقلاب رغم توقيع حمدوك لاتفاق سياسي مع البرهان، وفسر أصحاب هذا الرأي الاستقالة بأنها تدخل ضمن التكتيكات السياسية لخلق حالة من الاصطفاف السياسي الجديد دعماً لاستمرار حمدوك بحسبان أن غياب حمدوك سوف يدفع العسكر للتمدد في مفاصل الدولة بشكل أكبر من الذي كان، وبالمقابل أبدى عدد كبير من المراقبين تخوفهم من انسحاب حمدوك من المشهد، خوفاً من ذات النقطة، ورأوا أصحاب هذا الرأي بأن حمدوك لا زال وجوده يُرغم العسكر على عدم الابتعاد كثيراً عن محراب الثورة، وأن وجوده يجعل المجتمع الدولي حاضراً وبقوة في إعادة ترتيب المشهد السياسي ولا يسمح للعسكر بالانفراد الكامل بالسلطة. كذلك برر مراقبون استقالة حمدوك بسبب القمع والانتهاكات التي صاحبت المواكب الأخيرة ومما وضع حمدوك في خانة تحمل المسؤولية جراء هذه الانتهاكات التي بدأت المنظمات الحقوقية العالمية تتحدث عنها ، وأشار آخرون إلى عدم قدرة حمدوك على الاستئثار بصلاحيات واسعة دون تدخل من قبل العسكر وهو ذات الأمر الذي راهن عليه قبل التوقيع في 21 نوفمبر. ووفقاً لـ(الشرق الأوسط)، اتجهت الأنظار مجدداً نحو السودان، أمس، مع ورود أنباء تؤكد عزم رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك على الاستقالة خلال الساعات المقبلة، ما يعيد خلط الأوراق في الأزمة المستمرة بين العسكريين والمدنيين. وقال مصدران مقربان من حمدوك لـ {رويترز}، أمس الأول، إن حمدوك أبلغ مجموعة من الشخصيات القومية والمفكرين اجتمعت معه بأنه يعتزم التقدم باستقالته من منصبه. وأضاف المصدران أن المجموعة دعت حمدوك للعدول عن قراره إلا أنه أكد إصراره على اتخاذ هذه الخطوة خلال الساعات المقبلة. وأكد مصدر وثيق الصلة برئيس الوزراء لـ«الشرق الأوسط» هذه الأنباء، مشيراً إلى أن حمدوك أعلن عن ضيقه من ابتعاد مجموعة «الحرية والتغيير» الحاضنة السياسية السابقة لحكومته، ورفضها التعاون معه، أو المشاركة في صياغة إعلان سياسي جديد كان يرتب له. كما أشار إلى أن رئيس الوزراء يجد صعوبة في تشكيل وزارة تكنوقراط، لعزوف معظم المكون المدني عن التعامل معه في ظل الاتفاق الذي أبرمه مع قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان. وأضاف المصدر أن شخصيات وقيادات سياسية تتحرك لثنيه عن الاستقالة، من بينها قيادي بارز بإحدى الحركات المسلحة وعضو بمجلس السيادة الانتقالي. وقالت «الشرق الأوسط» إنها رصدت تحركات للجيش السوداني والقوات الأمنية داخل العاصمة، فسرها مراقبون «تحسباً لأي تطورات بالعاصمة»، وتثبيت الأمن.
الجريدة – عبدالناصر الحاج

