د. عبدالرحمن أبوخريس يكتب : ابعاد نظرية فى التحول الديمقراطي .. ضرورات الوعي والتنوير

فى الأصل هذه الماده بحث تم المشاركه به فى المؤتمر العلمي الثامن للجمعية السودانية للعلوم السياسية الذى جاء تحت عنوان: قضايا الوفاق والتحول الديمقراطي فى السودان 7-8 سبتمبر 2015 كما تم نشره لاحقاً فى مجلة العلوم السياسية المحكمة، العدد الثالث يونيو 2016م التى تصدرها الجمعية أعلاه، وهى دراسة نظرية وإستشرافيه فى خلاصتها لمآلات الأوضاع فى السودان للفترة لما بعد 2016 التى شهدت أزمة اقتصادية وسياسية مركبه، وانقساماً فى منظومة نظام الانقاذ وحاضنته السياسية نتيجة للتداعيات المتعددة لانفصال الجنوب، مما دفعه للدخول فى حوارات سياسية مفتوحه لتحقيق أهدافه..، ولأهمية الموضوع ودوره فى التنوير وبث التوعية السياسية فى المرحلة الراهنة، وما تتطلبه من توفير ماده معرفية عن التحول والانتقال الديمقراطي فى ظل غياب الأنشطة الفكرية الجاده والموضوعية، وانتشار الاستقطاب وثقافة التصنيف والشيطنه. ان عملية المساهمة فى إنتاج تفكير معتدل ومتوازن يراعي مصالح الدولة السودانية وتبايناتها وتنوعها، ويدرأ التهديدات العظيمه والمتداخله للمرحلة الانتقالية يعتبر ضرورة ملحه من قبل الباحثين وغاية يجب السعي لبلوغها على أن يستهدى بها السياسيون والقوى الحيه. علماً ان خلاصة البحث وتوصياته ركزت على الحالة السودانية انذاك وأكدت حتمية الانفتاح السياسي مع كافة القوى السياسية، حيث تطابقت توصياته مع الراهن السياسي حتي فى عبارة “الوثيقة الدستورية”. وللقيمة العلمية للبحث ودورة فى التنويروالتثقيف السياسي جاءات فكرة نشره صحفياً والكترونياً حتي يطلع عليه اكبر قدر من المهتمين للاستفاده والمقارنه مع أوضاعنا المأزومه..
تشكل عملية عدم الاستقرار والاستمرارية لشكل النظام السياسي السوداني ظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل وذلك لما لها من تداعيات محلية ودولية، وللأهمية الإستراتيجية، والجيوسياسية لدولة تمتلك مقدرات وامكانات نوعية ذات قيمة إضافية للاقتصاد العالمي، عليه تأتي عملية التنظير لتلك الظاهرة (تأسيس نظام ديمقراطي) من أهم الاولويات الرسمية للدولة والاوساط التنظيمية والسياسية
ان عملية التحول الديمقراطي عملية معقدة ومتداخله المراحل وتستدعي منهجا ابستمولوجيا لا يتوقف على قراءة الحاضر بل يعمل على احصاء وتحليل المقومات والامكانات الديمقراطية المتوفرة سودانياً وتنظيمياً ومدى قدرتها على إنجاز التحول من عدمه، الي جانب صياغة رؤية (vision) علمية مستندة على العلم والمعرفة، لا علي التخمين المصلحي الآني المحدود للاطراف السياسية.
هنالك ثلاث مداخل نظرية تناولها الباحثون فى دراستهم لانجاز أى مشروع ديمقراطي فالمدخل الاول هو التحديث وهذا المدخل يقوم على الاجابه على السؤال كيف نحافظ ونطور النظام الديمقراطي القائم أصلا ؟ وفى ذلك يتناول الابعاد السوسيواقتصادية بالتحليل باعتبارها الاساس فى وجود وتطور النظام الديمقراطي. اما المدخل الثاني هو مدخل التحول او الانتقال وهو يجيب على سؤال كيف نحقق ونؤسس نظاما ديمقراطيا؟ ويستعرض هذا المدخل العمليات السياسية التى تقوم بها النخب والقيادات السياسية وما تنتجه من مبادرات واختيارات ومشاريع وبرامج سياسية بالدراسه والتحليل لمعرفة التحديات والتهديدات التى تواجه عملية التحول، اما المدخل الثالث هو البنيوي الذي يهدف الى تغيير الاطر المؤسسية والابنية المكونه للدولة والتنظيمات لصالح النظام الديمقراطي المرتقب الى جانب مناقشته للتفاعلات والعلاقات بينها بالشكل الذى يؤدى الى الديمقراطية.
تهدف الورقة الى إستعراض الأسس النظرية لظاهرة التحول الديمقراطي والوقوف، بشكل إستشهادي، على التجارب العالمية التى تعرضت لعمليات التحول السياسي خاصة تلك التى لها أبعاد مشتركة ومتداخلة مع الحالة السودانية، هذا الاستعراض النظرى والعملى للظاهرة فى حاله إدراكه وتوظيفه إيجابيا يقودنا دون شك الى صياغة النماذج التىتتسق والحالة السودانية وبناء الخطط الملائمه لتحقيق التحول وإنجاحه ، التى أوردنا بعض محاورها فى خاتمة الدراسة وتوصياتها.
الديمقراطية .. فذلكه تاريخية:
ظلت الديمقراطيه تشكل نموذجاً من نماذج الحكم التي طرحها العديد من المفكرين وعرفتها العديد من الشعوب بدءا من دولة المدينه بأثينا وارتباطها بالفلسفه اليونانيه ، إن الاستخدام الحديث لهذا المفهوم يرجع إلي الاضطرابات الثورية التي حدثت في المجتمعات الغربيه في نهايه القرن الثامن عشر. ذلك أن البحث في موضوع الديمقراطيه هو بالضرورة بحث في طبيعة الدولة وشكل النظام السياسي ، وبما أن الديمقراطية تمثل فكراً ونموذجاً واقعيا لنماذج الحكم لذلك فإن آخر الأديان السماوية وهو الإسلام حث علي بعض أحكامها وقيمها كما دعا القرآن الالتزام بمبدأ الشوري في الحكم والقيادة تاركا لكل عصر اجتهاداته التي تتلاءم معه.
حدث أول تحرك غربي نحو الديمقراطيه كممارسة في النصف الأول من القرن 17 وكانت الأفكار والحركات الديمقراطيه سمة هامة من سمات الثورة الإنجليزيه فكانت تنظيمات كونيتيكت الأساسية التي تبناها المواطنون في هارتفورد والمدن المجاورة لها في جانفي 1638 ، هي أول دستور مكتوب للديمقراطية.
أن التحول الديمقراطي في الدول الغربية كان حصيلة تطور استغرق أكثر من قرنين وكان حافلا بالصراعات والثورات حتي استقرت الصورة في شكلها النهائي، نشأت هذه الديمقراطية في ظروف طبقة مسيطرة محليا وخارجيا وتطورت مع البرجوازية لتدعيم سلطتها . والديمقراطية بشكلها الحالي عند الغرب هي حديثة العهد ، فمثلا حتي 1945 لم يكن للمراة حق التصويت في فرنسا ولم يكن لها الحق في سويسرا، كما كانت ألمانيا الغربية تمنع تشكيل أحزاب شيوعية وهذا تغيير للحريات
هنالك ثلاث موجات من التحول الديمقراطي ابتداء من 1828 وهو تاريخ أول موجة تحوّل جاءت نتيجة تنظيم أول إنتخابات بالولايات المتحدة ،تخللتها موجتين من التحول المضاد عن الديمقراطية. ولقد أطلق هانتغتون وغيره مصطلح الموجة الثالثة علي ما يجتاح العالم من تغييرات جوهرية نحو الديمقراطية ، فخلال الفترة من عام (1994-1974) تحولت 60 دولة من أنظمة شمولية ديكتاتورية إلي أنظمة ديمقراطية ويصف علماء السياسة والإجتماع هذه الظاهرة بالموجة الثالثة لأنه سبقتها موجتان خلال القرنين الماضيين ، فكانت الموجة الأولي في أعقاب الثورتين الفرنسية والأمريكية في أواخر القرن 18 وامتدت إلي ما قبل الحرب العالمية الأولي وشملت حوالي 20 دولة معظمها في أوروبا والأمريكيتين
إتسعت مجالات الحديث عن التجارب الديمقراطية خلال الموجة الثالثة بعد إنهيار القطب السوفيتي الذي شكل نظام القطبية الثنائية وكان لهذا الانهيار الذي كان يسوده نظام حكم قائم علي الحزب الواحد إلي قيام التعدد الحزبي والإلتزام بالنموذج الديمقراطي. وقد ساهم فشل تجربة الحزب الواحد في سياق التجربة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي في دعم فكرة الديمقراطية التي تقوم في أحد عناصرها الرئيسية علي التعدد السياسي والحزبي وبدأت بعدها تتقلص تجارب الحزب الواحد لتفتح الأبواب أمام تجارب التعدديه السياسية في اغلب دول العالم الثالث يتبني أنظمة حكم تعددية تقوم علي فكرة تنظيم الانتخابات لضمان التداول السلمي علي السلطة باعتبارها أحد الآليات الفعالة لتحقيق الممارسة الديمقراطية. وقد تزايدت درجة الانتشار الديمقراطي طوال حقبة التسعينيات وهي الحقبة الاخيرة من القرن العشرين واستمر هذا الوضع في الحقبة الأولي من القرن 21 وجاء هذا التزايد نتيجة عاملين :
العامل الأول:
ذو علاقة بالضغوط الخارجية التى شكلتها التحولات التي أصابة بناء الثنائية القطبية والتي تمثلت فى إنتهاء الحرب الباردة وإنهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا ، فلم تعد هناك حاجة لتعزيز الأنظمة السلطوية القائمة بل تعرضت إلي ضغوط خارجية خاصة من قبل دول المعسكر الغرب الذى تقوده الولايات المتحدة بعد أن أصبحت القوة الكبري المهيمنة علي النسق الدولي لتتبني هذه الأنظمة إصلاحات اقتصادية وسياسة.
العامل الثاني:
مرتبط بالضغوط الداخلية التي جاءت نتيجة لتزايد الحركات الاحتجاجية المطالبه بالحقوق المدنية كنتيجة حتمية لهيمنة المنظومة الغربية على مقاليد السياسة الدولية ودعمها لتلك الحركات، والتدهور الاقتصادي والتنموي الشامل وتراجع معدلاتهما ،الامر الذى أدى الى تراجع النظم الشمولية الديكتاتورية واتساع حركة المطالبة بالديمقراطية ، في دول آسيا ، إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ظلت المنطقة العربية ،والسودان جزء منها، بعيدة عن التناول الجدى للديمقراطية ، فكراً وممارسةً ، حتى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وذلك بعد التحولات الكبري التى حدثت فى اوربا الشرقية 1990م ، حيث تناولت قضاياها حوارات مهمه في ثلاث ندوات عربية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي عبرت عن اهتمام المفكرين العرب بالديمقراطية المعاصرة ، وقد دعا الي الندوة الاولي منتدي الفكروالحوار في المغرب عام 1981 بعنوان (التجارب الديمقراطية في الوطن العربي) اما الندوة الثانية فدعا إليها مركز دراسات الوحدة العربية في قبرص عام 1983 بعنوان(أزمة الديمقراطية في الوطن العربي) ، والندوة الثالثة دعا اليها منتدي الفكر العربي في عام 1989 بعنوان (التعددية السياسية والفكرية في الوطن العربي) ، بالاضافة الي الحوارات التي تمت ضمن المشروعات العربية البديلة حول الديمقراطية التي قام بها منتدي العالم الثالث بالقاهرة , وحلقة النقاش التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في القاهرة عام 1990 عكست تلك الانشطة والدراسات المستوي الذي وصلت اليها المراجعات العربية الراهنة لمفهوم الديمقراطية باعتبارها منهجاً وليس عقيدة.
ويتضح من القراءة السريعة في بعض مقاربات المفكرين السودانيين لمفهوم الديمقراطية المعاصرة انها ما زالت تحتاج الي إعادة تأسيسها في الوعي المعاصر للمساهمة فى تحقيق التحول الديمقراطي في السودان، وينبقي الوقوف على مفهوم الديمقراطية واستكشاف ابعادة الفكرية لدى النخبة السودانية وفى الفكر السياسي السوداني وهنا يمكن التمييز بين ثلاث تيارات رئيسية هي:
التيار الأول : يرفض الديمقراطية جملةً وتفصيلاً ويري انها “متناقضة ومخالفة لما جاءت به العقيدة الاسلامية من اصول وفروع” ويمثل هذا الرأي بعض الجماعات السلفية التى تري ان الديمقراطية نظام سنة الانسان بوحي من عقله الناقص الذي لم يحط بكل شئ … وكل ما يعتقد بعدم صلاحية الاسلام للحكم عندهم كافر قطعاً.
التيار الثاني : يضم مفكريين إسلاميين مثل حسن الترابي ، الصادق المهدي ، محمد عثمان الميرغني وغيرهم، بالرغم من التحفظات التي يبديها بعضهم احيانا تجاه جانب من جوانب الديمقراطية، الا انهم بشكل عام ينظرون إليها نظرة إيجابية كنظام او كفكر، ويسعون الي التفاعل مع الوضع العالمي الجديد.
التيار الثالث : يتكون من مفكري ما يسمي احيانا باليسار الديمقراطي والاشتراكيين هذا التيار الذي لا يتمتع بقاعدة سياسية واسعة متشابهة لتلك الموجودة عند بعض ممثلي الاتجاه الثاني الا انه من الناحية الاخري يشترك معه في عدد من المواقف والاطروحات خاصة في الدعوة الي التجديد والي فتح باب الاجتهاد، وفي نقد الفكر السلفي عموما ودعوتهم الي نقد الذات واجراء المراجعات. ويسعي لإعطاء معني إجتماعي للديمقراطية بإشراك الجماهير حتي يتحقيق الهدف من الصراع والذي أصبحت التنمية وجهه الاساسي وتبنيها للشكل الغربي للبناء الديمقراطي ثم محاولة كسر هذا النمط دون نتائج ايجابية
التحول الديمقرطي مفاهيم متداخلة:
يعتبر مفهوم التحول الديمقراطي من المفاهيم التي شغلت الأوساط الأكاديمية والسياسية علي حد سواء، حيث يعلق الخبراء وصناع القرار أمالا واعدة علي مرحلة انتقال أنظمة الحكم من الأحادية الي التعددية السياسية التي تضمن حق المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة السياسية، ولقد تعددت المفاهيم المتداولة للحديث عن عملية التحول حيث تداخلت مفاهيم التحول الديمقراطي مع مفهومي التحول الليبرالي، والانتقال الديمقراطي، لذا وجب تحديد كل مفهوم والتمييز بينه وبين المفاهيم الأخري:
مفهوم الانتقال الديمقراطي:
يقصد بالانتقال الديمقراطي المرور من مرحله الي أخرى عبر شكل وإسلوب جديد في إدارة دفة الأمور السياسية، ووفقاً لما قاله أودونيل وشمبيتر فإن مفهوم الانتقالTransition يقصد به المرحلة الفاصلة بين نظام سياسي وآخر، وأثناء عملية الانتقال او في اعقابها يتم تدعيم النظام الجديد وتنتهي هذه العملية في اللحظة التي يجري فيها اكتمال تأسيس النظام الجديد المتفق عليه، وعمليات الانتقال لا تحسم دائما الشكل النهائي لنظام الحكم، فهي قد تؤدي إلي تحلل النظام السلطوي وإقامة شكل من اشكال الديمقراطية، وقد تتم العودة الي بعض اشكال الحكم السلطوي، كما تم فى باكستان سنة 1977، عندما أعلن ضياء الحق فترة انتقاليه مدتها ستة أشهر ومع ذلك استمر في الحكم 11 سنة وفي مصر الناصرية، حيث أعلن جمال عبد الناصر فترة إنتقاليه مدتها عامان لكن حكمه إستمر 18 سنة منذ ذلك الإعلان، وهنالك دولا كثيرة عرفت الانتقال لكنها لم تعرف الديمقراطية.
هناك ثلاثة نماذج من الانتقال الديمقراطي: الانتقال عن طريق انتخابات نزيهة، الانتقال عبر إصلاحات إقتصادية ، الانتقال عبر آليات توافقية أخرى تحددها طبيعة الاوضاع الراهنه ومصالح الفاعلين السياسيين. ومن أشكال الانتقال ما حدث علي سبيل المثال لموريتانيا التي انتقلت من نظام عسكري الي نظام سياسي برلماني يحتكم لأسس النظام الليبرالي، وكذا سقوط النظم الديكتاتورية العسكرية في إفريقيا ، كسقوط نظام حسني مبارك فى مصر، ونظام معمر القذافى فى ليبيا وكذلك بن على فى تونس (دول الربيع العربي)، وتاريخيا سقوط الجنرال كنيث كواندا بزامبيا 1991-1964، نظام الجنرال مانيو كيركو ببنين بعد 18سنة ، وهروب سياد بري من الصومال ومانجستو هيلا ماريام بإثيويبا في 1991 بعد تعاظم المطالبة بالديمقراطية.
مفهوم التحول الليبرالي
يقصد به إعادة تعريف وتوسيع نطاق الحريات المسموح بها للأفراد من خلال تقديم عدد من الضمانات لحماية الفرد والجماعة من تعسف السلطة وتتضمن هذه العملية الإفراج عن المساجين السياسيين والسماح بالتعبير عن الرأي في عدد من القضايا ذات الاهتمام العام، والحد من التدخل في الانتخابات لصالح مرشحي الحزب الحاكم ، وينطوي التحول الليبرالي علي تفعيل بعض الحقوق التي تحمي الافراد والجماعات من أية أعمال تعسفيه او غير قانونية قد ترتكبها الدولة أو أطراف ثالثة.
ويحصر أخرون عملية التحول الليبرالي في عملية التحرير السياسي التي تمثل شرطا لتحقيق الديمقراطية لكنها غير كافية ، فهي بمثابة خطوات علي طريق الديمقراطية اذا توفرت المصداقية كما حصل فى فترة المشير سوار الذهب 1983، كما انها لا تقود فى بعض الاوقات الي الديمقراطية حيث يمكن التراجع عنها او اتخاذها زريعه او مطية او آلية لتحديث النظام التسلطي بما يبرر قدرته علي حرية الراي والتعبير وتحسين سجل حقوق الانسان وتخفيف قبضة الدولة علي المجتمع المدني والسماح بشكل من التعددية الحزبية ، بينما تتمثل أهم أركان الديمقراطية في كفالة تشكيل الاحزاب والتنظيمات السياسيه والتداول السلمي علي السلطة من خلال انتخابات دورية تتسم بالحرية والنزاهة وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات وتوفير ضمانات المساءلة والمحاسبة..
المنطلقات الفكرية لمفهوم التحول الديمقراطي
أ.الدراسات الغربية:
يري الفكر الغربي أن مسألة الديمقراطية ظاهرة تنتمي للحضارة الغربية وأن دول الجنوب غير مؤهلة لتحقيق البناء الديمقراطي نتيجة التعارض بين الثقافات ، كما يضع الفكر الغربي بالإضافة لعنصر الثقافة ، الشروط الاقتصادية والاجتماعية كمحدد للبناء الديمقراطي , والتي لخصها Barrington Moore في عبارته المشهورة “لا ديمقراطية بدون برجوازية “، كما أشار Samuel Huntington إلي “ان الدول لا تستطيع أن تحقق الديمقراطية فجأة لأنها تحتاج إلي المرور بمراحل معيّنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي تساعد علي تحقيق الديمقراطية وتدعيمها.
مدرسة المؤشرات وعملية التحول الديمقراطي
توجد العديد من الكتابات للعديد من الباحثين الذين اعتمدوا في تناولهم لعملية التحول الديمقراطي علي وجهة النظر الغربية التقليدية التي أثبتت أن أحداث التطور الديمقراطي التي شهدها العالم منذ أواخر 80 من القرن الماضي عدم صحتها، ويعد سيمون مارتن ليبست من الباحثين الغربيين المنتمين لمدرسة المؤشرات الذين ربطوا بين مؤشرات التقدم الاقتصادي والديمقراطية، حيث استخدم في مؤلفه الرجل السياسي الصادر سنة 1964 , عدة مؤشرات للتقدم الاقتصادي تتعلق بمستويات الدخل، التصنيع، التحضر، التعليم وامتلاك الهواتف.. وانتهي الي أن الدول التي تتصدر غيرها في المجال الاقتصادي هي الدول الديمقراطية المستقرة بينما الدول المتخلفة اقتصاديا تسودها النظم الديكتاتورية ،إن ليبست أكد علي وجود علاقة سببية بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي فأن عدم اقتراب الدول النامية من الديمقراطية ما هو إلا نتيجة لتخلفها الاقتصادي, فلا يمكن أن يتم انجاز الديمقراطية الإ بعد انجاز التقدم الاقتصادي الذي يعد عنصرا لازما لبناء المؤسسات الديمقراطية النيابية والحزبية ولتحقيق المشاركة الديمقراطية .وبهذا فإن ليبست أكد علي وجود علاقة سببية بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي ,وان النظم الديمقراطية لن تتحقق إلا في النظم التي سجلت معدلات نمو مرتفعة وحققت تقدما اقتصاديا ملموسا .
وعبّر Daniel Lerner عن تصوّر مماثل للعلاقة بين التقدم الاقتصادي والاجتماعي وبين الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤلفة تحول المجتمع التقليدي:تحديث الشرق الأوسط الصادر سنة 1958 ، حيث استخدم أربعة مؤشرات لتغطية جوانب التنمية السياسية :العمرانية – والتحضر بمعني نسبة السكان بالمدن ,التعليم, التطور الاتصالي ، المشاركة السياسية , وانتهي الي وجود ارتباط قوي بين هذه المتغيرات, وأن المجتمع الحديث المتطور تتوافر فيه هذه المؤشرات بينما يعاني المجتمع التقليدي من ضعف هذه المؤشرات. وذهبت دراسةEverett.E.Hagen المعنونة اطار مرجعي لتحليل التغير الاقتصادي والسياسي المنشورة سنة 1968 وانتهت الي ان التقدم الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلي التحول الديمقراطي و ذات التوجه ذهب إليه كل من J.M.Nelson – S.P.Humtington في كتابهما اختيار غير سهل: المشاركة السياسية في الدول النامية الصادر سنة 1976 ، وسعيا الي إبراز العلاقة بين التحديث والمشاركة السياسية، وانتهيا إلي وجود علاقة سببية تربط الإنماء الاقتصادي بمظاهره المتنوعة بالمشاركة السياسية بصورها العديدة .
رغم ارتباط هذه المؤشرات او بعضها بالديمقراطية في الدول الغربية الا ان ذلك لا ينطبق بالضرورة علي الدول الاخري وحتي علي بعض الدول الغربية نفسها ، وهذه المسألة أدركها M.Rush في كتابه السياسة والمجتمع الصادر سنة1992 , لاحظ أن سكان المناطق الريفية في العديد من الدول النامية أكثر مشاركة في المجال السياسي خاصة في التصويت في الانتخابات مقارنة بسكان المناطق الحضرية .
مدرسة مراحل النمو والتحول الديمقراطي :
حاولت نظريات مراحل النمو التي صاغها كل من A.F.K. Organski – W.Rostow ركزت هي الاخري علي العامل الاقتصادي كمتغير حاسم في الانتقال من مرحلة لأخري, واعتبر روستو في مؤلفة: “مراحل النمو الاقتصادي: بيان غير شيوعي ” مخالفة الطرح الماركسي في تطور المجتمعات, مذكرا أن مرحلة الاستهلاك الجماهيري التي تعد أعلي مرحلة في النمو الاقتصادي هي السمة المميّزة للبناء الديمقراطي وأن المجتمعات المتخلفة لا تزال أسيرة المرحلة التقليدية وهي المرحلة الأولي من النمو الاقتصادي ولم تتوفر لها الشروط اللازمة للنمو التي تسمح لها بتطوير أشكال حديثة من نظم الحكم والمؤسسات السياسية والاجتماعية الكفيلة باستيعاب رؤوس الاموال والتكنولوجيا التي تعرفها الدول الغربية .
غير أن هذه النظرية رغم انتشارها الواسع تحصر مسألة التحول الديمقراطي في تبني النموذج الغربي كمرجعية يتم علي اساسها بناء نموذج عالمي شامل للتنمية
مدرسة نهاية التاريخ لفوكوياما:
طرح F.Fukuyama نظرية نهاية التاريخ في مؤلفه “نهاية التاريخ والرجل الاخير ” الصادر بعد انهيار القطب السوفيتي في محاولة منه لاستبدال الحتمية الماركسية ” حتمية التحول نحو الشيوعية ” بحتمية التحول نحو الرأسمالية” ، الذي افترض وصول التاريخ الي نهايته بعد نجاح الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة, بحيث تصبح الرأسمالية الليبرالية آخر مراحل التاريخ والتي ستتحول إليها لا محالة كافة المجتمعات الاخري حتي لا تظل اسيرة التاريخ , خصوصا وأن التنمية السياسية تعبر عن أشكال للتنظيم السياسي تتويجا للديمقراطية الليبرالية.
في الواقع ، أن كل هذه النظريات تنطلق من أسس ومسلمات واحدة تمجد النموذج الغربي وضرورة مرور كل المجتمعات بنفس مراحل النمو التي عرفتها الدول الغربية لتحقيق البناء الديمقراطي القائمة علي مقولات تدعو الي إنشاء نظام عالمي جديد ، في الوقت الذي ذهب فيه بعض المفكرين المنتمين لمدرسة المؤشرات إلي القول أن بعض الدول الاسيوية استطاعت أن تحقق معدلات مرتفعه من التقدم الاقتصادي في ظل نظم سلطوية!
ثانياً: الفكر الشرقي (العربي):
ان البدايات الاولي للاهتمام العربي بمسألة الديمقراطية كانت مع بدايات احتكاك العرب بالغرب في أوائل القرن 19 ، حيث لم يظهر مصطلح “الحرية” بمعناها الاساسي في الادبيات العربية إلا سنة 1898 بعد اكتشاف العرب ما كان يجري في العالم الغربي من تغييرات علي جميع الأصعدة أوحي للمفكرين العرب والمصلحين تبني هذه النماذج لما حققته من نتائج في نظم الحكم الغربية . وكان من هؤلاء المفكرين العرب : رافع الطهطاوي ، خير الدين باشا , عبد الرحمن الكواكبي ، محمد عبده … الذين حاولوا أعادوا صياغة مفاهيم الديمقراطية وفق الحضارة الاسلامية والعربية
إن عبد الرحمن الكواكبي قد أشار في كتابه طبائع الاستبداد 1900 ، عن داء الشرق ودواءه قائلا : إن أصل الداء هو الاستبداد السياسي ودواءه هو دفعة بالشوري الدستورية .فقد ادرك أن سبب العلة هو الاستبداد والظلم وأن الاحتكام للشوري هو الحل لعلاج العلل, من هنا, فإن الادبيات العربية ساهمت في تقييم أنظمة الحكم وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكومين ومعالجة المسائل المتعلقة بغطرسة السلطة واستبدادها بالحكم دون الاحتكام إلي النصوص الصادرة من الوحي الألهي أو الاجتهادات الفقهية والقانونية ، واستبدالها بنظم حكم عادلة
مفهوم التحول الديمقراطي:
يعد التحول مرحلة متقدمة علي الانتقال الديمقراطي ، وتتميز بالصعوبة والتعقيد وتتمثل عملية التحول في التغيير البطئ والتدريجي للأوضاع الاقتصاديه والاجتماعية في بلد ما دون التنكر لما سبق تحقيقه بالاعتماد علي التجارب السابقة قصد الاستفاده منها. فهي العملية التي يجري بموجبها تطبيق قواعد وإجراءات المواطنة علي المؤسسات السياسية التي كانت محكومة بمبادئ اخري او توسيع هذه القواعد والاجراءات .وقد إعتبر د. حسين أبو طالب التحول الديمقراطي انه مرحله انتقالية مؤقته تموج فيها الظواهر ونقائضها وتبرز فيها الطموحات والمطالب المختلفه والمتصارعة فكريا وفلسفيا ومصلحياً .
ويري ص. هانتغتون أن موجة التحول الديمقراطي عبارة عن مجموعة من حركات الانتقال من النظام غير الديمقراطي الي النظام الديمقراطي تحدث في فترة زمنية محددة وتفوق في عددها حركات الانتقال في الاتجاه المضاد خلال نفس الفترة الزمنية. كما تشمل الموجة عادة تحولاً ليبراليا أو تحولا ديمقراطيا جزئيا في النظام السياسي ولايتحول الي الديمقراطية تحولاً تاما , وقد حدثت ثلاث موجات من التحول الي الديمقراطية في العالم الحديث. ويرتبط فهم التحول الديمقراطي باهمية إدراك الأنساق التالية:
1.النسق البنائي: الذي يهتم بعملية بناء المنظمات والمؤسسات –بناء الأحزاب وبناء المجتمع المدني ، وهي عملية ديناميكية تتطلب إعادة هندسة البناء السياسي والاجتماعي للسلطة وأدواتها.
2. النسق الأيديولوجي والفكري: الديمقراطية تزداد و تيرتها بترسيخ قيم المواطنة والتكامل بين الصفوة والمجتمع ، وإعادة تشكيل أسس التنمية السياسية لإقامة مبادئ الشرعية والمشروعية ، وصولا إلي إرساء مبادئ الحكم الرشيد.
3.النسق التفاعلي: ليست الثورة عملية داخلية صرفة ، كما أنها ليست عملية ضغط خارجي و إنما عملية يستقيم عودها عندما تتهيأ التربة الداخلية لاستنبات الديمقراطية ، كما أنها ديناميكية ومسار يتكيف مع المحيط الخارجي في ظل ثقافة كوكبية ترتبط بمفاهيم التشبيك Networking)) ومقاربات الاعتماد المتبادل (Interdependency ). بهذا الصدد يلاحظ أن الفكر السياسي الأمريكي يؤكد في عمومياته التنظيرية أن الديمقراطيات أسرة واحدة ومنسجمة، وإن أفضل وسيلة لتأمين السلم الدولي هي كسر الاستبداد ونشر الديمقراطية.
إن التحول الديمقراطي يقصد منه تراجع نظم الحكم السلطوي بكافة اشكاله وألوانه لتحل محلها نظم اخري في الحكم تعتمد علي الاختيار الشعبي الحقيقي وعلي المؤسسات السياسيه المتمتعه بالشرعيه وعلي الانتخابات النزيهة كوسيلة لتبادل السلطة او الوصول إليها وذلك كبديل لحكم الفرد وانتهاك القوانيين والدستور, وأطلق علي عملية الانتقال من الحكم السلطوي الي الحكم الديمقراطي اصطلاح التحول الديمقراطي وهي الخبرة التي عرفتها العديد من الدول في شرق وسط وجنوب اوروبا ،إفريقيا ، آسيا وامريكا اللاتينيه .
وتختلف أسباب التحول من النظام السلطوي إلي النظام الديمقرطي من حالة لاخري فقد تكون اسباب التحول نابعة من داخل المجتمع ذاته كحالة الهند ، كما قد تكون ناتجة عن ظروف خارجية كحالة اليابان عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية حيث فرضت عليها الدول المتحالفة نظاما ديمقراطيا. كما تختلف الدول فيما بينها في درجة التحول وشدته هناك دول استطاعت تحقيق درجات من الاستقرار السياسي من خلال تطبيق الديمقراطية ، فيما عانت أخري من عدم الاستقرار بفعل التطبيق .
ويشير التحول الي عملية التفاعل بين النخب والعناصر المعارضة، فالعملية لا تسير وفق خط واحد، قد يحدث التحول بمبادرة من أعلي بواسطة النظام السياسي كما هو الحال فى السودان (مبادرة الحوار الوطني)، أو عن طريق التفاوض بين السلطة والمعارضة أو من أسفل بواسطة المعارضة. ويمكن الاشارة الي قواعد ثلاث تنظم المبادرة السياسية خلال عملية التحول أولها شكل الحكومة ، ثانيها النظام الانتخابي وثالثها الجماعات التي تشارك أو لا تشارك سياسيا.
فمن حيث شكل الحكومة يميل العديد من الباحثين الذين تناولوا موضوع التحول الي تفضيل النظام البرلماني في البناء الديمقراطي، لان النظام الرئاسي يفتقد لآلية التوافق بين النخبة والمعارضة مما يعرض التجربة للانهيار رغم أن العديد من التجارب أخذت بالحكم الرئاسي أما النظام الانتخابي ، فيعتبر من أهم العوامل التي تؤثر علي النظام الحزبي وعلي الديمقراطية ككل، ويعتبر النظام الحزبي في نظام حديث العهد بالديمقراطية نتاجا لمساومات مكثفة بين النخبة والعناصر المعارضة لها، بحيث يحاول كل طرف زيادة المكاسب المستقبلية المتوقعة من خلال إختيار النظام الانتخابي الاكثر مناسبة من وجهة نظره ، وعندما يكون النظام الانتخابي مناسبا من وجهة نظر مختلف الاطراف الفاعلة سياسيا، فإن ذلك يحافظ علي بقاء الديمقراطية واستمراريتها واذا كان العكس فإن ذلك يهدد إستقرار النظام ككل وبالتالي تفويض للديمقراطية، لذلك لجأت كوريا الجنوبية مثلا في نظامها الانتخابي الي الجمع بين نظامي الانتخاب الفردي والانتخاب بالحصص كمحاولة للتوفيق بين المطالب المتعارضة لكل من النخبة والعناصر المعارضة. وبالنسبة للجماعات المشاركة في العمليات السياسية ، فهناك بعض القوي التي يكون من المفيد استبعادها من ممارسة دور سياسي في النظام السياسي كالمؤسسة العسكرية ، بينما هناك قوي أخري يسمح لها بالدخول في مجال المشاركة السياسية ، لذلك تتبع النظم الديمقراطية أساليب معينة لضمان حياد القوات المسلحة من خلال وضع قواعد دستورية تحدد طبيعة المشاركة
أن التحول الديمقراطي يمثل مرحلة متقدمة علي الانتقال الديمقراطي، تتميز مرحلته بالصعوبة والتعقيد والتغير البطئ والتدريجي للاوضاع الاقتصاديه والاجتماعية في بلد ما دون التنكر لما سبق تحقيقه بالاعتماد علي التجارب السابقة قصد الاستفاده منها. فهي العملية التي يجري بموجبها تطبيق قواعد وإجراءات المواطنة علي المؤسسات السياسية التي كانت محكومة بمبادئ اخري او توسيع هذه القواعد والاجراءات.
ليس التحول الليبرالي والديمقراطي مترادفان علي الرغم من وجود علاقة وثيقة بينهما , فبدون ضمانات حرية الفرد والجماعة أي بدون تحول ليبرالي لا يمكن ضمان تحقيق التحول الديمقراطي ومن ناحية أخري بدون حرية الانتخابات والمحاسبة السياسية لا يمكن الحديث عن تحول ليبرالي الذي يضمن احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية .
وتأسيساً علي ما سبق فإن التحول الديمقراطي يقصد منه تراجع نظم الحكم السلطوي بكافة اشكاله وألوانه لتحل محلها نظم اخري في الحكم تعتمد علي الاختيار الشعبي الحقيقي وعلي المؤسسات السياسيه المتمتعه بالشرعيه وعلي الانتخابات النزيهة كوسيلة لتبادل السلطة ، وأطلق علي عملية الانتقال من الحكم السلطوي الي الحكم الديمقراطي اصطلاح التحول الديمقراطي وهي الخبرة التي عرفتها العديد من الدول في شرق وسط وجنوب اوروبا ، إفريقيا ، آسيا وامريكا اللاتينيه
مراحل التحول الديمقراطي:
يعد التحول الديمقراطي عملية مستمرة لذلك توجد العديد من التصنيفات التى تناولت مراحل التحول الديمقراطي وذلك لاختلاف التجارب فالبعض رصد ثلاث مراحل أساسية هي:
الاستمرار والتأهب : حيث تزداد خلالها حدة الصراع السياسي والاجتماعي بدرجة تهدد إستمرار سيطرة وبقاء نظام الحكم التسلطي.
تحقيق إجماع حول ضرورة التغيير: بعد تقييم الاوضاع السياسية ورصد التهديدات والتحديات التى تواجه الدولة الى معرفة حجم المصالح
تحديد مطالب: تتمثل فى تأسيس البني وفي مقدمتها إنشاء وتفعيل دور البرلمان.
تأمين التحول الديمقراطي: من خلال إرساء مجموعة من القواعد والممارسات التي تدعم تماسك المؤسسات التمثيلية وتنمي الثقافة السياسية والديمقراطية.
اما “فيليب شمتير” وجليرمو اودونيل فقد ميزا بين مرحلتين اساسيتين هما : مرحلة التحول الي الليبرالية السياسية ثم مرحلة التحول الى الديمقراطية .في حين قسم دانكورت رستو المراحل التي يمر بها التحول الديمقراطي الي أربعة وهي :
مرحلة نشوء إتفاق عام حول الهوية الوطنية وشبه إجماع بقبول الحدود السياسية للبلد المعني
مرحلة بروز صراع عنيف او مسالم بين شرائح إجتماعية او طبقات داخل الكيان السياسي الجديد ينتهي اما بانتصار كاسح لإحدي الفئات مما يعيق التقدم نحو الديمقراطية او بنشوء توازن إجتماعي جديد يسهل العملية الديمقراطيه.
مرحلة القرار السياسي او (المرحلة الانتقالية الاولي) ففي ظل الصراع غير المحسوم تعقد الأطراف الصفقات وتتوصل الي الحلول الوسطي وذلك بناءا علي حسابات عقلانية للربح والخسارة .
المرحلة الانتقالية الثانية او مرحلة التعود تبني القواعد الديمقراطية خلالها وهى خطوه ضرورية ومهمه لاطراف الصراع غير المحسوم، ويظل مستقبل الديمقراطية متأرجحا الي ان تتحول تدريجيا الي ممارسة يومية وتصبح عرفاً إجتماعيا.
طور كل من أودونيل O,donnel وشين Schain ولينزlinz مقاربة روستو وركزوا علي المرحلة الانتقالية، وعلية تم تقسيمهم لمراحل التحول الديمقراطي إلي أربعة مراحل هي :
أ.مرحلة القضاء علي النظام السلطوي: يشهد المجتمع خلالها العديد من الصراعات بهدف إرضاء مصالح من يقودوا عملية التحول وتحديد قواعد اللعبة السياسية والفاعلين المسموح لهم بدخول الساحة السياسية، وقد لا يترتب علي انهيار النظام السلطوي بالضرورة قيام نظام ديمقراطي، ويرجع هذا الفشل إلي أسباب تتعلق بمقاومة التحول من قبل النخب سواء العسكرية أو المدنية المعادية له (الدولة العميقة)،أو حتى نتيجة غياب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمؤسسات المؤاتية وعجز المعارضة من توظيف تلك الاوضاع لصالح تحقيق التحول الديمقراطي.
ب.مرحلة اتخاذ قرار التحول الديمقراطي :يتم إتخاد قرار التحول عندما يستجيب النظام لضغوطات البيئتين الداخلية والخارجية بغرض التكيف والحفظ علي ذاته، او لقناعات توفرت لصانع القرار باهمية اجراء تحولا فى توجهات وسياسات النظام نحو تمكين الديمقراطية وقد توجد في هذه المرحلة مؤسسات النظام السلطوي جنبا إلي جنب مع مؤسسات النظام الديمقراطي الجديد ، مما يضطر الديمقراطيين والسلطويين في نهاية المطاف إلي تقاسم السلطة فيها بينهم سواء بالصراع أو الاتفاق .
ج.مرحلة تدعيم النظام الديمقراطي : يصبح الاعتقاد لدى الفاعلين السياسيين الرئيسين بعدم وجود بديل عن العملية الديمقراطية للوصول إلي السلطة وبالتالي تحقيق التماسك الديمقراطي بتخلي النظام الجديد عن المؤسسات الموروثة عن النظام السلطوي القديم وفي نفس الوقت بناء مؤسسات جديدة تفرز القواعد الديمقراطية. كما أن رضاء النخب الحاكمة بالترتيبات المرتبطة بالمشاركة الواسعة في الانتخابات وتحقيق السيطرة المدنية علي المؤسسات العسكرية من خلال إخضاع الجيش وأجهزته لسيطرة الرئاسة المدنية المنتخبة كلها مسائل من شأنها تحقيق الدعم والتماسك الديمقراطي .
د.مرحلة النضج الديمقراطي: تهدف إلي تحسين الأداء الديمقراطي والرفع من كفاءة وقدرة المواطنين علي المشاركة بحيث تحقق الدولة الرفاهية الاجتماعية لمواطنيها.
تتطلب مراحل التطور الديمقراطي بدورها ثلاث آليات الأولى هي آلية تجسيد أصل السلطة عن طريق العملية الانتخابية، والثانية هي آلية ممارسة السلطة بواسطة التداول السلمي، والثالثة آلية توازن السلطة بالفصل بين السلطات. وتأسيسا علي ما سبق نستنتج المؤشرات الدالة علي وجود تحول ديمقراطي من عدمه من خلال مراعاه الموضوعات التالية :
الدستور : وهو النظام الأساسي للدولة والمرجعية العليا للكيان السياسي التي يجري الاحتكام إليها وتتضمن حقوق وواجبات المواطن وغيرها .
الحريات العامة : تشمل حق الأفراد والجماعات في التعبير عن آراءها ,وحرية التنظيم وحرية الصحافة وتداول المعلومات ,حرية البحث العلمي والحق في الاختلاف .
التعددية السياسية : علي اعتبار أنها التعبير المادي المباشر عن الحريات العامة ,كما أنها تعطي مختلف القوى الفاعلة فى المجتمع الحق فى مخاطبه الشعب لكي يكون الحكم الذى يرجح هذه القوى او تلك وبدون ذلك ليس هنالك ديمقراطية.
النظام التمثيلي : يحقق مبدأ التمثيل النيابي المشاركة السياسية التي هي شرط واجب للديمقراطية وتتحقق به قيام السلطة التشريعية بوصفها أحد أركان الدولة الوطنية الحديثة، ويري الآن تورين أن أزمة التمثيل السياسي قد عرفتها الكثير من البلدان ويعتبرها المحدثون حسبه مسؤولة عن ضعف المشاركة.
التداول السلمي علي السلطة : وهو أحد المؤشرات المركزية الدالة علي وجود تحول ديمقراطي والتداول علي السلطة بين مختلف القوى السياسية يجب أن يكون وفق نتائج الاقتراع العام ,وما أسفر عنه من إختيارات الناخبين .
نزاهة الانتخابات: تعتبر الانتخابات الحرة والنزيهة والخالية من مظاهر العنف سمة من سمات الحكم الديمقراطي تتضمن انتخاب المسؤولين دستوريا من السلطة التنفيذية, انتخاب أعضاء السلطة التشريعية ، ضمان حق الانتخاب والترشح لمن عليهم الشروط القانونية .
الفصل بين السلطات: يشكل هذا المبدأ آلية مركزية لحفظ توازن السلطة بحيث تستطيع كل سلطة إيقاف الأخرى عند حدود اختصاصاتها وضرورة مراعاة اعتبارات التعاون بينها بما يكفل قيام الدولة بوظائفها تجاه المجتمع الذي تحكمه.
أنماط التحول الديمقراطي :
يقصد بأنماط التحول الديمقراطي المسارات التي تتخذها النخبة الحاكمة مع المعارضة لاحداث التحول من نظام سلطوي إلى نظام آخر ديمقراطي، أو المسارات التي تتخذ للوصول إلى الديمقراطية. ويمكن وصف عملية انهاء النظم السلطوية بأنها عملية كفاحية مستمرة وممتدة ويكتنفها الغموض في كثير من مراحلها، وهي تمر عبر مسارات مختلفة ومتداخلة حيث لا يمكن الفصل بينها فى اى حالة نتيجة لتعقد عملية التحول ذاتها، وتتراوح بين التداول السلمي والصراع المسلح والإنقلاب العنيف ويمكن التمييز بين ثلاث أنماط رئيسية للتحول هي:
نمط التحول من أعلي : يصفه البعض “بمنحة الديمقراطية” ففي هذا النمط تمنح السلطة الحاكمة للشعب حق ممارسة الديمقراطية. ويكون الدافع في الغالب حينما تشعر القيادة والنخبة الحاكمة أن الانشقاقات على النظام القائم قد تصاعدت حدتها وأن محاولة استخدام القوة ضد الجماهير أصبحت وشيكة الوقوع، لذلك تأخذ بزمام المبادرة وتمنح الشعب بعض الإصلاحات أو تعده بذلك، وقد يكون ذلك انعكاسا لرغبة حقيقية في التحول نحو الديمقراطية أو حيلة سياسية للخروج من مأزقها، وبالتالي تتيح لنفسها صياغة آليات جديدة تمكنها من استمرار هيمنها وإطالة عمرها.
وفي ظل هذا المشهد يمكن التمييز بين نوعين من القيادة التي تبادر بإحداث التحول فهناك: مبادرة القيادة السياسية المدنية حيث يرتبط اختبار هذه النخبة الحاكمة لإجراء تغيير رمزي تستقبله القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية المعنية باعتباره نقلة جذرية واختلاف تام مع الحقبة السابقة خاصة على مستويات التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والخطاب الإيدولوجي وذلك عن طريق اتخاذ جملة من القرارات التي تستهدف إحداث هذا التغيير الجذري, وبالتالي يعتبره البعض تحولا دعائيا من وجهة نظر النخبة الحاكمة إلا أنه لا يفقد المغزى المهم لعملية التحول, وبمعنى الآخر لا ينبغى اعتباره مبررا لتجاهل التطور الذي حدث في النظام السياسي بسبب التحول لأن الطابع الدعائي يختفي تدريجيا لصالح التحول الديمقراطي التدريجي.
نمط التحول من خلال التفاوض:
يذهب هذا النمط الى ان النخبة الحاكمة تتخلي ،طوعاً او قصراً،عن نظامها السلطوي الذي أصبح مهددا بعدم الاستقرار الداخلي ومعرضا لضغوطات عنيفة تنذر بانهياره، ومصدر تلك الضغوطات الرأي العام المحلى والخارجي اللذان يظهران حماسا متزايدا للديمقراطية وحقوق الإنسان. ويرى “حمدى عبد الرحمن” أن من بين العوامل المهمة التي تدفع النظام السلطوي إلى الدخول في المفاوضات مع القوى المعارضة هي احتمال أفول نجم النظام السياسي أو أفول نجم إيديولوجيته متزامناً مع التردى الاقتصادي، او بسبب شعور المعارضة بافتقادها إلى القوة الكافية التي تساعد على الإطاحة بالنظام القائم، وبالتالي عادة ما تتوج تلك المفاوضات بالتوقيع على ميثاق أو اتفاق ويمكن ان تكون مفاوضات علنية او سرية يحقق مصالح الاطراف. ومن أمثلة ذلك النمط حالة جنوب إفريقيا خلال عامي 1989-1990 حيث جرى التفاوض بعد سنوات من الكفاح المسلح ضد العنصرية فقد أدرك الرئيس”دوكليرك” أهمية التفاوض بعد سنوات مع المؤتمر الوطني بقيادة “مانديلا”.
نمط التحول من خلال الثورة :
حيث يفرض الشعب تحولاً ديمقراطيا بعد سلسله من المظاهرات والاحتجاجات السلمية، وأعمال العنف وأحيانا الصراع الدموي، وينتج ذلك غالباً عقب تصاعد نفوذ القوى المعارضة، وفي المقابل انهيار في قوة النخبة الحاكمة، الامر الذى يقود الى انهيار النظام السلطوي، وهنا يكون التحول الديمقراطي مفروضا من الشعب بعد صراعات عنيفة مع السلطة نتيجة عدم قدرة الحكومة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين, ويبدأ العنف من الطرفين مما يضطر القيادات السلطوية إلى البدء في الإصلاحات المطلوبة جزياً. ومن أمثلة التحول من الأسفل ما حدث في إنتقاضة ابريل قى السودان، وفى ساحل العاج والغابون..
محددات التحول الديمقراطي:
حظيت العوامل المسؤولة عن تحول الانظمه السلطوية نحو الديمقراطية باهتمام الباحثين والمهتمين السياسيين حيث يرى “جابريل ألموند” و” باول بينغهام” أن المبادرة من أجل التغيير السياسي يمكن أن تنبع من ثلاث مصادر, من النظام السياسي نفسه أي من النخبة الحاكمة ومن الجماعات الاجتماعية في البيئة الداخلية. ومن النظم السياسية في البيئة الدولية, وعادة ما تتفاعل هذه العناصر الثلاث مع بعضها البعض، ففي حالة الهند كان التحول الديمقراطي نابعا من الداخل, أما في حالة اليابان فقد فرضت عليها الديمقراطية عقب هزيمتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية, وهناك الحالات التي ارتبط فيها التحول الديمقراطي برغبة من الدول المعينة تلقي المساعدات الاقتصادية من الخارج والتي يأتي أغلبها من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ما يلاحظ أن موجات التحول الديمقراطي تمت في إطار تداخل وتشابك بين مجموعة من العوامل التي يمكن تقسيمها إلى عوامل داخلية وخارجية.
المحددات الداخلية:
تتضمن المحددات الداخلية التي تؤدي إلي التحول الديمقراطي أربعة عناصر هي :
دور القيادة والنخب السياسية: تبادر القيادة السياسية باتخاذ قرار التحول الديمقراطي في العديد من الحالات عندما تتعرض لضغوطات خارجية وداخلية فتلجأ إلى توسيع نطاق المشاركة السياسية وتوزيع الموارد الاقتصادية وتعتبر القيادة مسؤولة عن حماية الأفراد من تعسف السلطة والتفاوض مع الجماعات للوصول على صيغ أكثر قبولا في المجتمع وهذا لتحقيق عملية التماسك الديمقراطي. كما تحدد شخصية القيادة السياسية طبيعة النظام السياسي ونمط الحياة السياسية، حيث شهدت دول الجنوب أنماط مختلفة من الشخصيات القيادية كالأنماط الانتهازية التي تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة, وأنماط تميزت بالابتكار والتجديد وأنماط أخرى تميزت بالانغلاق على نفسها وعلى أمتها لذا تعتبر القيادة السياسية عنصرا هاما ومحورياً في عملية التحول الديمقراطي. يؤكد كل من “دياموند لاري “، “جون لينز” “مارتن ليبست” على الدور الحاسم للقيادة التي تتسم بالكفاءة والالتزام بالديمقراطية في المبادرة إلى إدخال إصلاح سياسي على النظام السلطوي، مع إدراك هذه القيادة أن استمرارها في الحكم يؤدي إلى إضعاف الأبنية التي يوكل إليها دور هام في عملية التحول الديمقراطي، الامر الذى ضرورة استقالتها وتنحيها بعد اتمام عملية التحول ، كما أن النظام السلطوي ذاته يتعرض للتآكل وهناك عدد من الأسباب التي تجعل قادة النظم السلطوية يتجهون نحو الخيار الديمقراطي كتردي الشرعية السياسية للنظام, واعتبار الديمقراطية بديلا عن النظام السلطوي الذي فقد مبررات وجوده ولم يعد قادرا على مواجهة الضغوطات الداخلية والخارجية ناهيك عن اعتقاد القادة أن التحول سينجم عنه اكتساب دولتهم العديد من المنافع كزيادة الشرعية الدولية والتخفيف من العقوبات التي تفرضها الدول المانحة, وفتح باب المساعدات الاقتصادية والعسكرية, كما أن إدراك القادة بأن تكاليف البقاء في السلطة مرتفعة للغاية وأنه من الأفضل المبادرة بالتحول خاصة مع انقسام التحالف الذي يؤيد بقائها في السلطة. كما يستدعي التحول الديمقراطي الاهتمام بالحرية السياسية كقيام النخبة السياسية الحاكمة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وإفساح المجال أمام المناقشات السياسية ، وأن يكون هناك إحساس متعاظم من القيادة بالتكلفة المتزايدة التي يتطلبها للحفاظ على النظام السلطوى.
انهيار شرعية النظم التسلطية : حينما يفقد أي نظام سياسي آليات الضبط السياسي والاستقطاب الاجتماعي، ويعجز عن أداء وظائفه، فإن شرعيته تصبح مهددة. تختلف مشاكل الشرعية حسب طبيعة كل نظام إلا أن القاسم المشترك للنظم الديمقراطية هو أنها تعتمد في شرعيتها على الأداء الجيد، أما في النظم السلطوية فليس هناك فرقا بين شرعية الحاكم والنظام وذلك أن ضعف أداء النظام يعني سقوط الحاكم ونظامه، كما أن ضعف الأداء الاقتصادي للنظم الدكتاتورية كان له الأثر السلبي في ظهور أزمة شرعية هذه النظم
ترجع أسباب اهتزاز شرعية النظم السلطوية وتآكلها إلى غياب آليات للتجديد الذاتي حيث تزداد هذه المشكلة خاصة في النظم الدكتاتورية التي يصعب عليها أن تجدد ذاتها من حيث الفكر واستقطاب عضوية جديدة . وتتصرف الأنظمة السلطوية لمواجهة إشكالية الشرعية بإحدى الطرق التالية:
تكابر النظم السلطوية ، وترفض الاعتراف بضعفها المتزايد وعجزها على حماية البلاد من التهديدات والتحديات وتحقيق مصالح العباد على أمل استعادة قوتها في السلطة على الرغم من التدهور المريع علي كافة المستويات
صناعه وإثارة النزاعات الداخلية او الخارجية، الى جانب تحميل المستعمر والخارج اسباب تدهور اوضاع دولته ..، في محاولة لاستعادة الشرعية وتدعيم اركان النظام السلطوى المترهلة.
تأسيسه لصور باهتة من الشرعية الديمقراطية للنظام السلطوي كانتاج انتحابات مزورة او صياغة قوانيين تمنح بعض الحريات والحقوق المدنية ، وتقلص سلطات الحاكم شكلياً
محاولة النظم السلطوية البقاء في السلطة بزيادة القمع وكبت حريات الأفراد تحت مصوغات عده منها المحافظة على الامن القومي ومكافحة الارهاب
دور العوامل الاقتصادية: تعد العلاقة بين الاقتصاد والسياسة شديدة الترابط والتداخل إلى درجة أن البعض يري أن الاقتصاد هو الذي يحدد شكل المؤسسات السياسية من حيث الهيكل الوظيفي، بينما رأي البعض الآخر أن الشكل السياسي للدولة هو الذي يحدد نوعية السياسات الاقتصادية وكيفية توصيف الموارد. ولعل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي عانت منه الكثير من الدول النامية ومنها أنظمة الحكم في بلدان الربيع العربي كان عاملا حاسما في اهتزاز شرعية نظمها السياسية وظهر ذلك جليا في الكثير من الانتفاضات والمظاهرات التي شهدتها تلك الدول والتي طالبت بتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية بإدخال مزيد من الإصلاحات لمنع سيطرة فئة معينة على موارد البلاد.الامر الذى أدي إلى انتشار الفساد وإهدار المال العام والى موجة عنف ومعارضة متزايدة من الطبقات الفقيرة ضد الطبقة الحاكمة مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي وزيادة المطالبة بالتغيير. وارتبطت عمليات التحول الديمقراطي في النظم السياسية السودانية بالأزمات الاقتصادية الناجمة عن الخلل في بنية اقتصادها ويمكن للتقدم الاقتصادي ان يساهم في تعزيز الديمقراطية من خلال:
أن النمو الاقتصادي الناجم عن تنوع القطاعات الإنتاجية يؤدي إلي تعددية تنافسة للقطاع الخاص وتنوعه، وبالتالي يعزز فرص التحول الديمقراطي كوسيلة لمواجهة وحماية هذا التنافس سلميا ، كما أن النمو الاقتصادي ذا تأثير مهم في تحقيق الاندماج بين السكان من خلال عدالة التوزيع التى تفضي الى تعزيز الهوية والمواطنة بينهم.
أن قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات الاساسية للمواطنيين، وتوفير وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالحد من الفقر والتفاوت في توزيع الدخل وإتاحة التعليم للجميع تعظم من فرص التحول الديمقراطي وترسي دائم التداول السلمي للسلطه
دور المجتمع المدني: تزامن الاهتمام بمفهوم المجتمع المدني كمدخل للتحليل السياسي خاصة مع بداية الربع الأخير من القرن الماضي في إطار الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي, حيث برز دور مهم لقوى وتنظيمات المجتمع المدني في دفع عملية التحول في العديد من دول العالم وبغض النظر عن تعدد تعريفات المجتمع المدني وما تثيره من مشاكل نظرية ومنهجية خاصة في ظل تعدد مظاهر التوظيف الإيديولوجي للمفهوم وإستخدامه من قبل قوى عديده في سياقات مختلفة لتحقيق أهداف متباينة فالمؤكد أن التعريف الأكثر شيوعا والذي يحظى بقبول عدد كبير من الباحثين هو الذي ينظر للمجتمع المدني بأنه :”شبكة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة, وتعمل على تحقيق المصالح المادية والمعنوية لأفرادها والدفاع عن هذه المصالح وذلك في إطار الالتزام بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح السياسي والفكري والقبول بالتعددية والاختلاف والإدارة السلمية للخلافات والصراعات”. تبرز أهمية المجتمع المدني في تدعيم وترسيخ المبادئ الديمقراطية من حيث كونه يمثل البيئة المناسبة لغرس وتنمية القيم الديمقراطية, خاصة مع تزايد التعليم والثقافة والتطور التكنولوجي ووسائل الإعلام مما يساعد على إدراك الجماهير لحقوقها الطبيعية وتنامي اهتمام المثقفين من خريجي الجامعات من المشاركة السياسية وتبلور دور الحركة النسائية ومنظمات حقوق الإنسان, من هذا المنطلق فرضت التحولات الاجتماعية على النظم السلطوية التحول الديمقراطي بالرغم من كونه كان مقيدا إلا أنه جاء نتيجة عجز تلك النظم عن توفير بدائل أخرى تؤدي إلى الاستقرار السياسي
أن دور المجتمع المدني في تحقيق التحول الديمقراطي فى السودان يظل باهتاً مدام ان مؤسساته مرهونه الارادة والادارة للنظم السياسية المتعاقبة ، وغير مستقلة ولا تعبر عن تطلعات المجتمع السوداني بشكل واسع، كما إنها تتفاوت من حيث درجة تطور تنظيماته ومدى فاعليته وتأثيره في الحياة السياسية وبالتالي في عملية التحول الديمقراطي.
العوامل الخارجية :
تشكل العوامل الخارجية أهمية قصوى في عملية التحول الديمقراطي خاصة في البلدان النامية، وفى هيمنة ونفوذ الاحادية القطبية ويمكن إجمال تلك العوامل “الضغوطات ” في النقاط التالية:
1. النظام الدولي : أن انهيار النظم الشيوعية كما حدث في الإتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا وتحول أغلبها إلى الديمقراطية يعد انتصار للديمقراطية والقيم الغربية. الامر الذى دفع بالدول الغربية ممارسة الضغوط على كل الانظمه الشمولية التى لا تنصاع الى سياستهم وتحقيق مصالحهم أما إذا تعرضت هذه المصالح لخطر في حالة التحول الديمقراطي حينئذ لا يكون هناك حديث عن ضرورة عملية التحول حيث لا توجد فيه مصالح أمريكية كما حدث في كينيا والجزائر وبالتالي فإن التزام الغرب بالتحول الديمقراطي له صبغة انتقائية وانتهازية ولا تنفرد بهذه الانتقائية أمريكا فحسب, بل يشاركها في ذلك الغرب وفرنسا بوجه خاص إزاء إفريقيا حيث لها إيديولوجية انتقائية وذلك ما حدث في التوجو والزائير وهنا بدأ الضغط على النظم غير الديمقراطية حتى تجري إصلاحات وتغيرات على نظمها السياسية وتدعم هذا الطرح لدى قوى المعارضة التي أصبحت تطالب بالحرية وبحقها في التعبير والمشاركة السياسية والمنافسة على كسب رضا الرأي العام والوصول إلى السلطة وينطبق الأمر بصورة واضحة وبدرجات متفاوتة على السودان.
تعتبر القوى الخارجية متغير مهم في عملية التحول الديمقراطي وحتى في صنع السياسة العامة في الدول النامية وهو ما تبرزه دراسات التبعية خاصة بعد أن أصبحت الكثير من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية تعتمد على المساعدات الأجنبية الخارجية
2. ضغوطات المؤسسات المالية الدولية : يبرز دور المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض في توجيه السياسات والخيارات الاقتصادية حيث تربط تلك المؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مساعداتهما المالية والإدارية والفنية بإدخال إصلاحات سياسية على النظم السياسية التي تلجأ إليها سعيا في الحصول على القروض والتسهيلات الاقتصادية كما تشترط عليها تلك المؤسسات أن تتبنى برامج التكييف والتعديل الهيكلي القائمة على الاقتصاد وخصخصة القطاع العام ودعم القطاع الخاص وهو ما يعني في النهاية تقليص دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع. لقد سعت الدول الرأسمالية التي تمسك بزمام المعونة الاقتصادية إلى إعادة تشكيل اقتصاديات الدول النامية على النحو الذي يحقق مصالحها الإستراتيجية , ومن هذا المنطلق ظهر مفهوم المساعدات المرتبطة ببرامج التكيف الهيكل والتي يرجع تاريخها إلى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، حيث ظهور ما يعرف باسم الجيل الأول للمشروطية الذي ركز على آليات الإصلاح الاقتصادي مدفوعا بما عانته دول العالم الثالث من أزمات اقتصادية في ذلك الوقت ، ثم ظهر بعده الجيل الثاني للمشروطية مع بداية التسعينيات والذي تضمن المشروطية السياسيةPolitical Conditionality بما شمله من شروط متعلقة بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ودعم الحكم الرشيد، كما أن إحداث قدر من الممارسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان يمثل ضغط على الدول النامية للتحول من السلطوية وهو ضغط مؤثر إلى حد كبير بالنظر إلى اعتماد الكثير من الدول النامية على المساعدات الاقتصادية لإحداث ما تسميه بالإنعاش الاقتصادي.
أن تلك المساعدات والقروض المشروطة ذات ابعاد متعددة ومتداخلة إيجابيا وسلبياً على عملية التحول الديمقراطي حيث تمنح وتعزز من شرعية النظم السياسية المتلقية للمساعدات من جانب ، وقد تؤثر سلبيا على استقرارها من جانب آخر، خاصة عند تطبيق برامج التعديل الهيكلية الاقتصادية وبالتالي تظهر مؤشرات في ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستويات الدخل والفقر، كما ان التكيف الهيكلي لاقتصاديات الدول النامية ربما يتلازم معه تكيف سياسي يطيل من أمد الدولة التسلطية !.
3. ظاهرة العدوى الديمقراطية : يقصد بأثر العدوى والمحاكاة أن نجاح التحول الديمقراطي في دولة ما يشجع على إحداث تحول ديمقراطي في دولة أخرى، وعبر عنها صموئيل هانتنغون “بكرات الثلج” بحيث أن وجود نماذج ناجحة في أوائل موجة التحول شجعت الدول الأخرى على المضي قدما في طريق الديمقراطية فيما يشبه كرات الثلج التي تتزايد في حجمها كلما تدحرجت. وتتم عملية التحول بالمحاكاة سواء نتيجة لتشابه المشاكل التي تواجه الدول المعنية أو الاعتقاد بأن نجاح التحول الديمقراطي يوفر الحل لهذه المشاكل، أو لأن الدولة التي تحولت إلى الديمقراطية أصبحت قوية وتعتبرها الدول الأخرى نموذجا سياسيا يحتذي به ، كما أن نجاح التحول يثبت للقيادات السياسية إمكانية إنهاء النظام السلطوي ، وإرساء النظام الديمقراطي عن طريق تقليد ومحاكاة الأساليب التي اتبعتها الدول التي نجح فيها التحول الديمقراطي. ومما ساعد على أهمية عنصر المحاكاة كعامل من عوامل التحول، الثورة الهائلة التي حدثت في وسائل الاتصال، أصبح من الصعب على النظم السلطوية السيطرة على تدفق المعلومات من العالم الخارجي أو أن تحجب عن شعوبها المعلومات عن سقوط الأنظمة السلطوية في الدول الأخرى، كما جعلت من استخدام العنف لقهر المعارضة وانتهاك حقوق الإنسان ظواهر عالمية لا تخص دولة بعينها مما يشكل قيدا على هذه الحكومات عند لجوئها إلى العنف ضد مواطنيها كما تراجعت وبشكل متسارع قدرة النظم على إخفاء ممارستها على الصعيد الداخلي، أضف إلى ذلك مكنت ثورة الاتصالات قوى المعارضة من الاتصال بالعالم الخارجي بسهولة ويسر مما يسمح لها بحشد رأي عالمي أو حتى لفت الانتباه والأفكار والممارسات والمطالب الديمقراطية من دول إلى أخرى، وهو ما يساعد على نشر ما يعرف “بعدوى الديمقراطية” عبر الحدود، كما ساعدت تلك الوسائل على نشر الوعي السياسي وكشف زيف ديمقراطية النظم السلطوية خاصة مع تمدد ما يعرف بالمجتمع المدني العالمي المتمثل في المنظمات والجمعيات والهيئات والروابط الدولية الغير حكومية التي تهتم بقضايا الإنسان والحريات العامة. وغيرها من القضايا العالمية ورغم ذلك ظل تأثير المحاكاة العامل الأقوى بين الدول المتقاربة جغرافيا والمتشابهة ثقافيا
الخاتمة:
تأكد الورقة على ان التجربة الإنسانية والحاجة الى الحرية والمساواة واحترام التعدد فى الآراء وتوسيع قاعدة المشاركة .. قيم مشتركة مع وجود اختلافات نوعية بسيطة تبرزها الطبيعه البشرية وهى بذلك مثل أسمي ينبغي السعي لبلوغه، وأسلوب من أساليب الحكم يتعين تطبيقه لانها تجربة وخبرة بشرية تهدف الى صون كرامه الانسان والمحافظه على حقوقة.
ان عملية التحول السياسي والديمقراطي لدولة عالم ثالث (السودان)، فى ظل هيمنه الدول الغربية، وما أفرزته من سياسات عبرت عن عدم تعاطفها مع خيارات دول الربيع العربي وتلبيه رغبات تلك الشعوب المتعطشة للديمقراطية..، تعد عملية معقدة تتطلب فهماً وإدراكاً معرفياً ونظرياً سودانياً محكماً لظاهرة التحول وآلياته، واستيعاباً عملياً للتحديات الداخلية والتهديدات الخارجية التى تعيق اجراء أي تحول ديمقراطي قادم فى المنطقة ما لم يحقق مصالح تلك الدول المهيمنه.
تعد دراسة وفهم الخبرة الدولية فى مجال التحول الديمقراطي(دول الربيع العربي) من الموضوعات الهامة للحالة السودانية وهذا لا يعني استنساخها او نقلها بشكل آلي وانما الاستفادة منها وتطويرها لما لها من مؤشرات يستفاد منها خاصة فى مجال التوعية السياسية والعمل الجماعي وبناء التحالفات، والبحث عن أساليب حديثة ووسائل سلمية أجدى فى التعبئة والمعارضة السياسية والتظاهر والاحتجاجات ، حيث تشكل هذه العوامل مدخلا استراتيجيا للتحول الديمقراطي. عليه يواجه الحوار وعملية التحول الديمقراطي صعوبات فنية نابعه من غياب المنهجية والأُسس المعرفية والنظرية والفكرية التى يؤسس عليها، وعدم إشراك العلماء والباحثين من خلال تكوين اللجان العلمية للحوار.
التوصيات:
الإيمان والتسليم من قبل الأحزاب والتنظيمات والمواطنيين بتراكمية العمل السلمي من اجل احداث التحول الديمقراطي ، والتخلي كلياً عن فكرة التغيير السياسي السريع والعنيف خاصة فى ظل أوضاع السودان، علماً بان التغيرات السياسية الاخيرة لم تفضى الى ديمقراطية (دول الربيع العربي).
إنجاز الحوار والتحول الديمقراطي يتطلب معرفة تامه بالأبعاد النظرية والمعرفية للظاهرتين وما يتصل بهما من ظواهر أخرى ، وتعزيزهما بالخبرة التاريخية والتجارب من الدول الاخري.
ضرورة ان ينطلق الحوار ، ويؤسس التحول الديمقراطي على أسس فكرية متفق عليها من قبل الاطراف السياسية.
الحاجة الى صياغة مفهوم سوداني للديمقراطية (الدمقرطة) ، وإستكشاف شكل محدد من اشكال الديمقراطية يلبي التنوع ويحمي الوحدة الوطنية من عدوى الإنفصال والتفكك.
احداث مقاربه تشريعية تجعل من الشريعه الإسلامية قيداً ديمقراطياً على الممارسة الديمقراطية بالشكل الذى يخلق الترابط بين الممارسه الديمقراطية وبين إطارها الحضاري والثقافى.
أهمية ادراك ان عملية التحول الديمقراطي تتسم بالتعقيد لانها تستهدف الابنية والاهداف التى تؤثر علي توزيع السلطه وممارستها ، وتتسم بعدم التأكد لانها تتضمن مخاطر الارتداد الى النظام السلطوى القديم (الدوله العميقه).
ضرورة بناء تحالفات سياسية تضم الاحزاب والقوى والمنظمات، التى تؤمن وتتبني وترغب فى احداث التحول الديمقرطي وأهميته كمخرج لازمات البلاد، وخلق حالة من التوازنات بين المصالح الحزبية والمشاريع السياسية (البرامج) الامر الذى يجعل الارتباطات والعلاقات واضحه.
تحقيق الشروط المثالية للتحول الديمقراطي التى تتمثل فى نشر الثقافه السياسية والوعى السياسي والتنمية السياسية ، وتحقيق المشاركة السياسية .
الاتفاق على وثيقة دستورية تمكن من إحداث التحول السلمي للسلطة وتداولها.
بناء مؤسسات بحثية واعلامية متخصصة ترفد بمخرجاتها متطلبات التحول الديمقراطي من دراسات وتقارير وبحوث علمية تؤسس لتحول سياسي معافى، وبث برامج تخدم قضايا التحول، وتمكين علماء وباحثي علم السياسة والعلاقات الدولية من المشاركة فى فعاليات الحوار والتحول.
أهمية ممارسة الاحزاب للديمقراطية التنظيمية (داخل الاحزاب) الامر الذى يعكس نشرها وسط الجماهير وممارستها عند الوصول الي السلطه، الي جامب اهمية ممارستها للديمقراطية الرقمية يمكنها من معرفة عضويتها وتصنيفاتهم وقدراتهم واعدادهم.
التخلص من قيود التبعية الفكرية والمادية، التى تحول دون تحقيق التحول الديمقراطي، والتكيف مع الواقع السوداني.ابعاد نظرية فى التحول الديمقراطي .. ضرورات الوعي والتنوير
دكتور عبدالرحمن ابوخريس
فى الأصل هذه الماده بحث تم المشاركه به فى المؤتمر العلمي الثامن للجمعية السودانية للعلوم السياسية الذى جاء تحت عنوان: قضايا الوفاق والتحول الديمقراطي فى السودان 7-8 سبتمبر 2015 كما تم نشره لاحقاً فى مجلة العلوم السياسية المحكمة، العدد الثالث يونيو 2016م التى تصدرها الجمعية أعلاه، وهى دراسة نظرية وإستشرافيه فى خلاصتها لمآلات الأوضاع فى السودان للفترة لما بعد 2016 التى شهدت أزمة اقتصادية وسياسية مركبه، وانقساماً فى منظومة نظام الانقاذ وحاضنته السياسية نتيجة للتداعيات المتعددة لانفصال الجنوب، مما دفعه للدخول فى حوارات سياسية مفتوحه لتحقيق أهدافه..، ولأهمية الموضوع ودوره فى التنوير وبث التوعية السياسية فى المرحلة الراهنة، وما تتطلبه من توفير ماده معرفية عن التحول والانتقال الديمقراطي فى ظل غياب الأنشطة الفكرية الجاده والموضوعية، وانتشار الاستقطاب وثقافة التصنيف والشيطنه. ان عملية المساهمة فى إنتاج تفكير معتدل ومتوازن يراعي مصالح الدولة السودانية وتبايناتها وتنوعها، ويدرأ التهديدات العظيمه والمتداخله للمرحلة الانتقالية يعتبر ضرورة ملحه من قبل الباحثين وغاية يجب السعي لبلوغها على أن يستهدى بها السياسيون والقوى الحيه. علماً ان خلاصة البحث وتوصياته ركزت على الحالة السودانية انذاك وأكدت حتمية الانفتاح السياسي مع كافة القوى السياسية، حيث تطابقت توصياته مع الراهن السياسي حتي فى عبارة “الوثيقة الدستورية”. وللقيمة العلمية للبحث ودورة فى التنويروالتثقيف السياسي جاءات فكرة نشره صحفياً والكترونياً حتي يطلع عليه اكبر قدر من المهتمين للاستفاده والمقارنه مع أوضاعنا المأزومه..
تشكل عملية عدم الاستقرار والاستمرارية لشكل النظام السياسي السوداني ظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل وذلك لما لها من تداعيات محلية ودولية، وللأهمية الإستراتيجية، والجيوسياسية لدولة تمتلك مقدرات وامكانات نوعية ذات قيمة إضافية للاقتصاد العالمي، عليه تأتي عملية التنظير لتلك الظاهرة (تأسيس نظام ديمقراطي) من أهم الاولويات الرسمية للدولة والاوساط التنظيمية والسياسية
ان عملية التحول الديمقراطي عملية معقدة ومتداخله المراحل وتستدعي منهجا ابستمولوجيا لا يتوقف على قراءة الحاضر بل يعمل على احصاء وتحليل المقومات والامكانات الديمقراطية المتوفرة سودانياً وتنظيمياً ومدى قدرتها على إنجاز التحول من عدمه، الي جانب صياغة رؤية (vision) علمية مستندة على العلم والمعرفة، لا علي التخمين المصلحي الآني المحدود للاطراف السياسية.
هنالك ثلاث مداخل نظرية تناولها الباحثون فى دراستهم لانجاز أى مشروع ديمقراطي فالمدخل الاول هو التحديث وهذا المدخل يقوم على الاجابه على السؤال كيف نحافظ ونطور النظام الديمقراطي القائم أصلا ؟ وفى ذلك يتناول الابعاد السوسيواقتصادية بالتحليل باعتبارها الاساس فى وجود وتطور النظام الديمقراطي. اما المدخل الثاني هو مدخل التحول او الانتقال وهو يجيب على سؤال كيف نحقق ونؤسس نظاما ديمقراطيا؟ ويستعرض هذا المدخل العمليات السياسية التى تقوم بها النخب والقيادات السياسية وما تنتجه من مبادرات واختيارات ومشاريع وبرامج سياسية بالدراسه والتحليل لمعرفة التحديات والتهديدات التى تواجه عملية التحول، اما المدخل الثالث هو البنيوي الذي يهدف الى تغيير الاطر المؤسسية والابنية المكونه للدولة والتنظيمات لصالح النظام الديمقراطي المرتقب الى جانب مناقشته للتفاعلات والعلاقات بينها بالشكل الذى يؤدى الى الديمقراطية.
تهدف الورقة الى إستعراض الأسس النظرية لظاهرة التحول الديمقراطي والوقوف، بشكل إستشهادي، على التجارب العالمية التى تعرضت لعمليات التحول السياسي خاصة تلك التى لها أبعاد مشتركة ومتداخلة مع الحالة السودانية، هذا الاستعراض النظرى والعملى للظاهرة فى حاله إدراكه وتوظيفه إيجابيا يقودنا دون شك الى صياغة النماذج التىتتسق والحالة السودانية وبناء الخطط الملائمه لتحقيق التحول وإنجاحه ، التى أوردنا بعض محاورها فى خاتمة الدراسة وتوصياتها.
الديمقراطية .. فذلكه تاريخية:
ظلت الديمقراطيه تشكل نموذجاً من نماذج الحكم التي طرحها العديد من المفكرين وعرفتها العديد من الشعوب بدءا من دولة المدينه بأثينا وارتباطها بالفلسفه اليونانيه ، إن الاستخدام الحديث لهذا المفهوم يرجع إلي الاضطرابات الثورية التي حدثت في المجتمعات الغربيه في نهايه القرن الثامن عشر. ذلك أن البحث في موضوع الديمقراطيه هو بالضرورة بحث في طبيعة الدولة وشكل النظام السياسي ، وبما أن الديمقراطية تمثل فكراً ونموذجاً واقعيا لنماذج الحكم لذلك فإن آخر الأديان السماوية وهو الإسلام حث علي بعض أحكامها وقيمها كما دعا القرآن الالتزام بمبدأ الشوري في الحكم والقيادة تاركا لكل عصر اجتهاداته التي تتلاءم معه.
حدث أول تحرك غربي نحو الديمقراطيه كممارسة في النصف الأول من القرن 17 وكانت الأفكار والحركات الديمقراطيه سمة هامة من سمات الثورة الإنجليزيه فكانت تنظيمات كونيتيكت الأساسية التي تبناها المواطنون في هارتفورد والمدن المجاورة لها في جانفي 1638 ، هي أول دستور مكتوب للديمقراطية.
أن التحول الديمقراطي في الدول الغربية كان حصيلة تطور استغرق أكثر من قرنين وكان حافلا بالصراعات والثورات حتي استقرت الصورة في شكلها النهائي، نشأت هذه الديمقراطية في ظروف طبقة مسيطرة محليا وخارجيا وتطورت مع البرجوازية لتدعيم سلطتها . والديمقراطية بشكلها الحالي عند الغرب هي حديثة العهد ، فمثلا حتي 1945 لم يكن للمراة حق التصويت في فرنسا ولم يكن لها الحق في سويسرا، كما كانت ألمانيا الغربية تمنع تشكيل أحزاب شيوعية وهذا تغيير للحريات
هنالك ثلاث موجات من التحول الديمقراطي ابتداء من 1828 وهو تاريخ أول موجة تحوّل جاءت نتيجة تنظيم أول إنتخابات بالولايات المتحدة ،تخللتها موجتين من التحول المضاد عن الديمقراطية. ولقد أطلق هانتغتون وغيره مصطلح الموجة الثالثة علي ما يجتاح العالم من تغييرات جوهرية نحو الديمقراطية ، فخلال الفترة من عام (1994-1974) تحولت 60 دولة من أنظمة شمولية ديكتاتورية إلي أنظمة ديمقراطية ويصف علماء السياسة والإجتماع هذه الظاهرة بالموجة الثالثة لأنه سبقتها موجتان خلال القرنين الماضيين ، فكانت الموجة الأولي في أعقاب الثورتين الفرنسية والأمريكية في أواخر القرن 18 وامتدت إلي ما قبل الحرب العالمية الأولي وشملت حوالي 20 دولة معظمها في أوروبا والأمريكيتين
إتسعت مجالات الحديث عن التجارب الديمقراطية خلال الموجة الثالثة بعد إنهيار القطب السوفيتي الذي شكل نظام القطبية الثنائية وكان لهذا الانهيار الذي كان يسوده نظام حكم قائم علي الحزب الواحد إلي قيام التعدد الحزبي والإلتزام بالنموذج الديمقراطي. وقد ساهم فشل تجربة الحزب الواحد في سياق التجربة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي في دعم فكرة الديمقراطية التي تقوم في أحد عناصرها الرئيسية علي التعدد السياسي والحزبي وبدأت بعدها تتقلص تجارب الحزب الواحد لتفتح الأبواب أمام تجارب التعدديه السياسية في اغلب دول العالم الثالث يتبني أنظمة حكم تعددية تقوم علي فكرة تنظيم الانتخابات لضمان التداول السلمي علي السلطة باعتبارها أحد الآليات الفعالة لتحقيق الممارسة الديمقراطية. وقد تزايدت درجة الانتشار الديمقراطي طوال حقبة التسعينيات وهي الحقبة الاخيرة من القرن العشرين واستمر هذا الوضع في الحقبة الأولي من القرن 21 وجاء هذا التزايد نتيجة عاملين :
العامل الأول:
ذو علاقة بالضغوط الخارجية التى شكلتها التحولات التي أصابة بناء الثنائية القطبية والتي تمثلت فى إنتهاء الحرب الباردة وإنهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا ، فلم تعد هناك حاجة لتعزيز الأنظمة السلطوية القائمة بل تعرضت إلي ضغوط خارجية خاصة من قبل دول المعسكر الغرب الذى تقوده الولايات المتحدة بعد أن أصبحت القوة الكبري المهيمنة علي النسق الدولي لتتبني هذه الأنظمة إصلاحات اقتصادية وسياسة.
العامل الثاني:
مرتبط بالضغوط الداخلية التي جاءت نتيجة لتزايد الحركات الاحتجاجية المطالبه بالحقوق المدنية كنتيجة حتمية لهيمنة المنظومة الغربية على مقاليد السياسة الدولية ودعمها لتلك الحركات، والتدهور الاقتصادي والتنموي الشامل وتراجع معدلاتهما ،الامر الذى أدى الى تراجع النظم الشمولية الديكتاتورية واتساع حركة المطالبة بالديمقراطية ، في دول آسيا ، إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ظلت المنطقة العربية ،والسودان جزء منها، بعيدة عن التناول الجدى للديمقراطية ، فكراً وممارسةً ، حتى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وذلك بعد التحولات الكبري التى حدثت فى اوربا الشرقية 1990م ، حيث تناولت قضاياها حوارات مهمه في ثلاث ندوات عربية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي عبرت عن اهتمام المفكرين العرب بالديمقراطية المعاصرة ، وقد دعا الي الندوة الاولي منتدي الفكروالحوار في المغرب عام 1981 بعنوان (التجارب الديمقراطية في الوطن العربي) اما الندوة الثانية فدعا إليها مركز دراسات الوحدة العربية في قبرص عام 1983 بعنوان(أزمة الديمقراطية في الوطن العربي) ، والندوة الثالثة دعا اليها منتدي الفكر العربي في عام 1989 بعنوان (التعددية السياسية والفكرية في الوطن العربي) ، بالاضافة الي الحوارات التي تمت ضمن المشروعات العربية البديلة حول الديمقراطية التي قام بها منتدي العالم الثالث بالقاهرة , وحلقة النقاش التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في القاهرة عام 1990 عكست تلك الانشطة والدراسات المستوي الذي وصلت اليها المراجعات العربية الراهنة لمفهوم الديمقراطية باعتبارها منهجاً وليس عقيدة.
ويتضح من القراءة السريعة في بعض مقاربات المفكرين السودانيين لمفهوم الديمقراطية المعاصرة انها ما زالت تحتاج الي إعادة تأسيسها في الوعي المعاصر للمساهمة فى تحقيق التحول الديمقراطي في السودان، وينبقي الوقوف على مفهوم الديمقراطية واستكشاف ابعادة الفكرية لدى النخبة السودانية وفى الفكر السياسي السوداني وهنا يمكن التمييز بين ثلاث تيارات رئيسية هي:
التيار الأول : يرفض الديمقراطية جملةً وتفصيلاً ويري انها “متناقضة ومخالفة لما جاءت به العقيدة الاسلامية من اصول وفروع” ويمثل هذا الرأي بعض الجماعات السلفية التى تري ان الديمقراطية نظام سنة الانسان بوحي من عقله الناقص الذي لم يحط بكل شئ … وكل ما يعتقد بعدم صلاحية الاسلام للحكم عندهم كافر قطعاً.
التيار الثاني : يضم مفكريين إسلاميين مثل حسن الترابي ، الصادق المهدي ، محمد عثمان الميرغني وغيرهم، بالرغم من التحفظات التي يبديها بعضهم احيانا تجاه جانب من جوانب الديمقراطية، الا انهم بشكل عام ينظرون إليها نظرة إيجابية كنظام او كفكر، ويسعون الي التفاعل مع الوضع العالمي الجديد.
التيار الثالث : يتكون من مفكري ما يسمي احيانا باليسار الديمقراطي والاشتراكيين هذا التيار الذي لا يتمتع بقاعدة سياسية واسعة متشابهة لتلك الموجودة عند بعض ممثلي الاتجاه الثاني الا انه من الناحية الاخري يشترك معه في عدد من المواقف والاطروحات خاصة في الدعوة الي التجديد والي فتح باب الاجتهاد، وفي نقد الفكر السلفي عموما ودعوتهم الي نقد الذات واجراء المراجعات. ويسعي لإعطاء معني إجتماعي للديمقراطية بإشراك الجماهير حتي يتحقيق الهدف من الصراع والذي أصبحت التنمية وجهه الاساسي وتبنيها للشكل الغربي للبناء الديمقراطي ثم محاولة كسر هذا النمط دون نتائج ايجابية
التحول الديمقرطي مفاهيم متداخلة:
يعتبر مفهوم التحول الديمقراطي من المفاهيم التي شغلت الأوساط الأكاديمية والسياسية علي حد سواء، حيث يعلق الخبراء وصناع القرار أمالا واعدة علي مرحلة انتقال أنظمة الحكم من الأحادية الي التعددية السياسية التي تضمن حق المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة السياسية، ولقد تعددت المفاهيم المتداولة للحديث عن عملية التحول حيث تداخلت مفاهيم التحول الديمقراطي مع مفهومي التحول الليبرالي، والانتقال الديمقراطي، لذا وجب تحديد كل مفهوم والتمييز بينه وبين المفاهيم الأخري:
مفهوم الانتقال الديمقراطي:
يقصد بالانتقال الديمقراطي المرور من مرحله الي أخرى عبر شكل وإسلوب جديد في إدارة دفة الأمور السياسية، ووفقاً لما قاله أودونيل وشمبيتر فإن مفهوم الانتقالTransition يقصد به المرحلة الفاصلة بين نظام سياسي وآخر، وأثناء عملية الانتقال او في اعقابها يتم تدعيم النظام الجديد وتنتهي هذه العملية في اللحظة التي يجري فيها اكتمال تأسيس النظام الجديد المتفق عليه، وعمليات الانتقال لا تحسم دائما الشكل النهائي لنظام الحكم، فهي قد تؤدي إلي تحلل النظام السلطوي وإقامة شكل من اشكال الديمقراطية، وقد تتم العودة الي بعض اشكال الحكم السلطوي، كما تم فى باكستان سنة 1977، عندما أعلن ضياء الحق فترة انتقاليه مدتها ستة أشهر ومع ذلك استمر في الحكم 11 سنة وفي مصر الناصرية، حيث أعلن جمال عبد الناصر فترة إنتقاليه مدتها عامان لكن حكمه إستمر 18 سنة منذ ذلك الإعلان، وهنالك دولا كثيرة عرفت الانتقال لكنها لم تعرف الديمقراطية.
هناك ثلاثة نماذج من الانتقال الديمقراطي: الانتقال عن طريق انتخابات نزيهة، الانتقال عبر إصلاحات إقتصادية ، الانتقال عبر آليات توافقية أخرى تحددها طبيعة الاوضاع الراهنه ومصالح الفاعلين السياسيين. ومن أشكال الانتقال ما حدث علي سبيل المثال لموريتانيا التي انتقلت من نظام عسكري الي نظام سياسي برلماني يحتكم لأسس النظام الليبرالي، وكذا سقوط النظم الديكتاتورية العسكرية في إفريقيا ، كسقوط نظام حسني مبارك فى مصر، ونظام معمر القذافى فى ليبيا وكذلك بن على فى تونس (دول الربيع العربي)، وتاريخيا سقوط الجنرال كنيث كواندا بزامبيا 1991-1964، نظام الجنرال مانيو كيركو ببنين بعد 18سنة ، وهروب سياد بري من الصومال ومانجستو هيلا ماريام بإثيويبا في 1991 بعد تعاظم المطالبة بالديمقراطية.
مفهوم التحول الليبرالي
يقصد به إعادة تعريف وتوسيع نطاق الحريات المسموح بها للأفراد من خلال تقديم عدد من الضمانات لحماية الفرد والجماعة من تعسف السلطة وتتضمن هذه العملية الإفراج عن المساجين السياسيين والسماح بالتعبير عن الرأي في عدد من القضايا ذات الاهتمام العام، والحد من التدخل في الانتخابات لصالح مرشحي الحزب الحاكم ، وينطوي التحول الليبرالي علي تفعيل بعض الحقوق التي تحمي الافراد والجماعات من أية أعمال تعسفيه او غير قانونية قد ترتكبها الدولة أو أطراف ثالثة.
ويحصر أخرون عملية التحول الليبرالي في عملية التحرير السياسي التي تمثل شرطا لتحقيق الديمقراطية لكنها غير كافية ، فهي بمثابة خطوات علي طريق الديمقراطية اذا توفرت المصداقية كما حصل فى فترة المشير سوار الذهب 1983، كما انها لا تقود فى بعض الاوقات الي الديمقراطية حيث يمكن التراجع عنها او اتخاذها زريعه او مطية او آلية لتحديث النظام التسلطي بما يبرر قدرته علي حرية الراي والتعبير وتحسين سجل حقوق الانسان وتخفيف قبضة الدولة علي المجتمع المدني والسماح بشكل من التعددية الحزبية ، بينما تتمثل أهم أركان الديمقراطية في كفالة تشكيل الاحزاب والتنظيمات السياسيه والتداول السلمي علي السلطة من خلال انتخابات دورية تتسم بالحرية والنزاهة وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات وتوفير ضمانات المساءلة والمحاسبة..
المنطلقات الفكرية لمفهوم التحول الديمقراطي
أ.الدراسات الغربية:
يري الفكر الغربي أن مسألة الديمقراطية ظاهرة تنتمي للحضارة الغربية وأن دول الجنوب غير مؤهلة لتحقيق البناء الديمقراطي نتيجة التعارض بين الثقافات ، كما يضع الفكر الغربي بالإضافة لعنصر الثقافة ، الشروط الاقتصادية والاجتماعية كمحدد للبناء الديمقراطي , والتي لخصها Barrington Moore في عبارته المشهورة “لا ديمقراطية بدون برجوازية “، كما أشار Samuel Huntington إلي “ان الدول لا تستطيع أن تحقق الديمقراطية فجأة لأنها تحتاج إلي المرور بمراحل معيّنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي تساعد علي تحقيق الديمقراطية وتدعيمها.
مدرسة المؤشرات وعملية التحول الديمقراطي
توجد العديد من الكتابات للعديد من الباحثين الذين اعتمدوا في تناولهم لعملية التحول الديمقراطي علي وجهة النظر الغربية التقليدية التي أثبتت أن أحداث التطور الديمقراطي التي شهدها العالم منذ أواخر 80 من القرن الماضي عدم صحتها، ويعد سيمون مارتن ليبست من الباحثين الغربيين المنتمين لمدرسة المؤشرات الذين ربطوا بين مؤشرات التقدم الاقتصادي والديمقراطية، حيث استخدم في مؤلفه الرجل السياسي الصادر سنة 1964 , عدة مؤشرات للتقدم الاقتصادي تتعلق بمستويات الدخل، التصنيع، التحضر، التعليم وامتلاك الهواتف.. وانتهي الي أن الدول التي تتصدر غيرها في المجال الاقتصادي هي الدول الديمقراطية المستقرة بينما الدول المتخلفة اقتصاديا تسودها النظم الديكتاتورية ،إن ليبست أكد علي وجود علاقة سببية بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي فأن عدم اقتراب الدول النامية من الديمقراطية ما هو إلا نتيجة لتخلفها الاقتصادي, فلا يمكن أن يتم انجاز الديمقراطية الإ بعد انجاز التقدم الاقتصادي الذي يعد عنصرا لازما لبناء المؤسسات الديمقراطية النيابية والحزبية ولتحقيق المشاركة الديمقراطية .وبهذا فإن ليبست أكد علي وجود علاقة سببية بين التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي ,وان النظم الديمقراطية لن تتحقق إلا في النظم التي سجلت معدلات نمو مرتفعة وحققت تقدما اقتصاديا ملموسا .
وعبّر Daniel Lerner عن تصوّر مماثل للعلاقة بين التقدم الاقتصادي والاجتماعي وبين الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤلفة تحول المجتمع التقليدي:تحديث الشرق الأوسط الصادر سنة 1958 ، حيث استخدم أربعة مؤشرات لتغطية جوانب التنمية السياسية :العمرانية – والتحضر بمعني نسبة السكان بالمدن ,التعليم, التطور الاتصالي ، المشاركة السياسية , وانتهي الي وجود ارتباط قوي بين هذه المتغيرات, وأن المجتمع الحديث المتطور تتوافر فيه هذه المؤشرات بينما يعاني المجتمع التقليدي من ضعف هذه المؤشرات. وذهبت دراسةEverett.E.Hagen المعنونة اطار مرجعي لتحليل التغير الاقتصادي والسياسي المنشورة سنة 1968 وانتهت الي ان التقدم الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلي التحول الديمقراطي و ذات التوجه ذهب إليه كل من J.M.Nelson – S.P.Humtington في كتابهما اختيار غير سهل: المشاركة السياسية في الدول النامية الصادر سنة 1976 ، وسعيا الي إبراز العلاقة بين التحديث والمشاركة السياسية، وانتهيا إلي وجود علاقة سببية تربط الإنماء الاقتصادي بمظاهره المتنوعة بالمشاركة السياسية بصورها العديدة .
رغم ارتباط هذه المؤشرات او بعضها بالديمقراطية في الدول الغربية الا ان ذلك لا ينطبق بالضرورة علي الدول الاخري وحتي علي بعض الدول الغربية نفسها ، وهذه المسألة أدركها M.Rush في كتابه السياسة والمجتمع الصادر سنة1992 , لاحظ أن سكان المناطق الريفية في العديد من الدول النامية أكثر مشاركة في المجال السياسي خاصة في التصويت في الانتخابات مقارنة بسكان المناطق الحضرية .
مدرسة مراحل النمو والتحول الديمقراطي :
حاولت نظريات مراحل النمو التي صاغها كل من A.F.K. Organski – W.Rostow ركزت هي الاخري علي العامل الاقتصادي كمتغير حاسم في الانتقال من مرحلة لأخري, واعتبر روستو في مؤلفة: “مراحل النمو الاقتصادي: بيان غير شيوعي ” مخالفة الطرح الماركسي في تطور المجتمعات, مذكرا أن مرحلة الاستهلاك الجماهيري التي تعد أعلي مرحلة في النمو الاقتصادي هي السمة المميّزة للبناء الديمقراطي وأن المجتمعات المتخلفة لا تزال أسيرة المرحلة التقليدية وهي المرحلة الأولي من النمو الاقتصادي ولم تتوفر لها الشروط اللازمة للنمو التي تسمح لها بتطوير أشكال حديثة من نظم الحكم والمؤسسات السياسية والاجتماعية الكفيلة باستيعاب رؤوس الاموال والتكنولوجيا التي تعرفها الدول الغربية .
غير أن هذه النظرية رغم انتشارها الواسع تحصر مسألة التحول الديمقراطي في تبني النموذج الغربي كمرجعية يتم علي اساسها بناء نموذج عالمي شامل للتنمية
مدرسة نهاية التاريخ لفوكوياما:
طرح F.Fukuyama نظرية نهاية التاريخ في مؤلفه “نهاية التاريخ والرجل الاخير ” الصادر بعد انهيار القطب السوفيتي في محاولة منه لاستبدال الحتمية الماركسية ” حتمية التحول نحو الشيوعية ” بحتمية التحول نحو الرأسمالية” ، الذي افترض وصول التاريخ الي نهايته بعد نجاح الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة, بحيث تصبح الرأسمالية الليبرالية آخر مراحل التاريخ والتي ستتحول إليها لا محالة كافة المجتمعات الاخري حتي لا تظل اسيرة التاريخ , خصوصا وأن التنمية السياسية تعبر عن أشكال للتنظيم السياسي تتويجا للديمقراطية الليبرالية.
في الواقع ، أن كل هذه النظريات تنطلق من أسس ومسلمات واحدة تمجد النموذج الغربي وضرورة مرور كل المجتمعات بنفس مراحل النمو التي عرفتها الدول الغربية لتحقيق البناء الديمقراطي القائمة علي مقولات تدعو الي إنشاء نظام عالمي

