مقالات

عبدالقادر محمود صالح يكتب .. لجان المقاومة والطريق إلى بناء الدولة المدنية

 

نشأة لجان المقاومة سبقت حراك ديسمبر الثوري الذي شمل قطاعات واسعة من الشعب السوداني بقواه الإجتماعي ة والسياسية، فقبل حراك ديسمبر انتظمت مجموعة من القوى الشبابية في تيارات مقاومة للنظام البائد، فكانت تلك القوى تخرج في مواكب غير منتظمة منذ ٢٠٠٩ إلى أن بلغت ذروتها في ٢٠١٣، الحراك الثوري الأقوى الذي استطاعت السلطة القمعية للنظام البائد في إخماده.

لم يتوقف هذا الحراك رغم القمع والاعتقالات والاختفاء القسري، بل تصاعد مجددا بأشكال نضالية مستحدثة انتظمت في هيئة قوي مدنية، نستطيع ذكر بعض الأمثلة لهذه القوى، منها حركة كفاية وحركة قرفنا…الخ.
فإن التأريخ النضالي المقاوم للأنظمة الشمولية لم يكن جديدا على الثقافة السياسية السودانية وإنما هو فعل تراكمي منذ أول ثورة اندلعت ضد النظام العسكري الاول- نظام عبود، وما زال هذا الفعل التراكمي يجد حيزه في الحاضر السياسي السوداني.

الحركة الوطنية المقاومة في السودان ارست قواعدها على هدى المبادئ والقيم الكبرى (حرية سلام وعدالة) لتأسيس الدولة المدنية/الديمقراطية الحديثة رغم العثرات التي واجهتها في مهدها.

إن انقلاب ال ٢٥ من أكتوبر قد بدد بعض المكاسب الثورية التي تحققت بدماء الشهداء، لكن هذا الانقلاب (الخلاقة) بتعبير المفكر الحاج وراق، سوف لن يستطيع إخماد الثورة السودانية الحية التي سعت بروحها الشابة المتطلعة إلى غد زاهر لهذا الوطن، وبلا أدنى شك ستستمر الثورة السودانية الحية بلجان مقاومتها واحزابها التقدمية إلى المضي قدما نحو الغايات الكبرى لمأسسة الدولة المدنية الحديثة، ولو كلف ذلك مزيد من التضحيات.

مدنية الدولة تتجلي من خلال عدة مظاهر، نستطيع ان نجمل بعض منها:-
* عدم رفضها للدين في الفضاء العام للدولة مع عدم الجنوح لاستغلاله والمتاجرة به في إدارة شؤون الدولة
* المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وهنا مكمن وجوهر البناء المدني للدولة الذي يقوم على عدالة وتوزيع الموارد المادية والرمزية بين جميع مكونات الشعب بشكل يلبي استحقاقات المواطنة وواجباتها.
* دمقرطة المؤسسات وسيادة حكم القانون والمشاركة السياسية الواسعة كلها تُجْلي الملمح الحقيقي للبناء المدني للدولة.

يبرز السؤال التالي، هل نستطيع خلق التنمية الحقيقية في غياب الروح المدنية للدولة؟
ليس بالضرورة ان تكون الاجابة بلا او نعم وإنما ضرورة وجود المؤسسات المدنية وسيادة حكم القانون في مناخ ديمقراطي يسيطر علي العملية السياسية يسهم الي حد كبير في إحداث التحديث والتنمية في البني الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والهدم المتسامح للبني التقليدية التي كانت سائدة ومعرقلة للتحول بإتجاه التفكير والتغيير الحداثوي.

ثمة من يحاجج بعدم الشرطية الديمقراطية لحدوث التحديث والتنمية ويذهبون في التأكيد على ذلك الي النموذج الصيني على سبيل المثال لا الحصر، حيث حدث التحديث والتنمية في غياب الشرط الديمقراطي لفعلهما في الدولة وبُناها المؤسِسة.
جدلية العقل الاحادي وعقلنة الفضاء السياسي المفتوح والمتعدد، تبقي الدينامية الحاكمة للوجود البشري في ديالكتيكه التاريخي والمادي والاستمرار صعودا وهبوطا في إلحاحهِ الدؤوب لبناء الحضارة والمدنية..
لذلك أعتقد أن لجان المقاومة تمثل الطليعة للاضطلاع بهذا الدور الكبير في بناء الدولة المدنية الحديثة، وكما هو معلوم بأن اللجان المقاومة كان لها الدور الطليعي في بناء الحراك الثوري الذي أطاح بالنظام الاسلاموي الشمولي الأطول في تاريخ الحركة السياسية السودانية، كذلك تستطيع لجان المقاومة أن تعبد الطريق لبناء الدولة المدنية المنشودة.

زر الذهاب إلى الأعلى