محمد المصطفي أحمد (أوسكار) يكتب .. مدنية الدولة شعارا أم إشعار ؟

بقلم / محمد المصطفي أحمد (أوسكار)
القيادي بالتحالف السوداني القومي
قبل البدء في السرد دعونا أولا نقف علي بعض الحقائق التي من أهمها تعريف الدولة المدنية (وهي الدولة التي تحافظ وتحمي كل الأفراد فيها بغض النظر عن مجتمعاتهم أو إنتمائتهم الحزبية أو الدينية أو الفكرية بصورة عامة ) بالمختصر المفيد فهل هي شعارا أم إشعار ؟ فمنذ سقوط نظام المخلوع البشير وأيام بدايات الثورة المجيدة كانت ومازالت مطالب الشعب السوداني هي مدنية الدولة وعدم التفرقة والتمييز بين جميع مكوناتها ، وظهر هذا الأمر واضحا وجليا في إعتصام القيادة العامة (يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور ) ( الجيش ما جيش الكيزان الجيش جيش السودان ) ، ولكن ما لبس إلي أن إنتهي هذا الأمر نتيجة لممارسة بعض النخب التي رفضت بشكل قاطع هذه المدنية ، فمنذ تشكيل الحكومة الإنتقالية الأولي وقض الطرف عن أبشع جريمة مرت علي العاصمة الخرطوم إبان الثورة و سقوط المخلوع ألا وهي جريمة فض إعتصام القيادة العامة وتبادر إلي ذهني سؤال مهم ، هل هذه هي الدولة التي ضحي شبابنا من أجلها ؟ ومن أين أتي هولاء الذين يزعمون بأنهم محدثي و قائمين بأمر الثورة ولم يستطيعوا الي الآن الكشف عن الجاني و الكل يعلم الجاني (حدث ما حدث ) ؟ سقطوا في أول إمتحان للدولة المدنية فلم يحموا أو يحافظوا علي مواطنيها وأي مواطنين ؟ الشباب الطاقات المتجدده و المورد الأهم في كل الامم المتقدمة .
بالحديث عن مواطنيها تذكرت وأنا بعقلي ضعيف كما ترون بيتا من الشعر يقول : (برز الثعلب يوما في ثياب الواعظين … إلي اخر البيت ) لم يكن الثعلب يوما فقط حيوانا ، بل كان سلوكا قطعي بادر في ذهني سوال آخر ما الذي حدث لمجتمعنا الذي كنا نفخر و نعتز به باننا منه ؟ هل صار سب العقيدة فضيلة أو زجر الفضيلة من شيمة الدولة المدنية ؟ أم صار أكل الناس لبعضهم البعض واحدة من شعارات الثورة المجيدة ؟ حيث تجد بعض الشباب لمجرد خلافك في الحديث معهم تخون و تكذب ، بل وصل الأمر حتي إلي المقاطعة الإجتماعية ، فأين الحق الثالث من حقوق الدولة المدنية المتمثل في حق الحرية الفكرية و السياسية ؟ إن كنت علماني أو سني أو شيعي يحق لك بفم ملئ أن تقول ما تقول ولا يحاسبك حسيب أو رقيب مالم تدعوا إلي ما يرمي إلي هتك النسيج المجتمعي ، ولكن أجد بأن الدولة بوضعها الحالي تقف علي جانب و تترك جانب ، فهل هذه الدولة هي الدولة المدنيهدة التي حلمنا بها شعارا أم إشعار ؟ هل كانت لافتة يحملها شهيدا أم شعارا يررده نطيح .
بالأخذ مما سبق ذكره اجد بان حلم الدولة المدنية قد تحطم ما بين أطماع ساسة لا سياسين و ناشطين لا مدنين ، و شعارات براغة فارغة الجوف وأحلام وردية ، ولكن مهما يكن يبقي الحلم حلم إلي أن يصير واقعا معاشا ولو إلي حين ، ولنا نماذج عدة في القرن الإفريقي كانت بعض دولها أسوأ حالا منا ، بل الأسوأ علي الإطلاق كانت دولة رواندا .
بالحديث عن رواند الكل يعلم ما مرت به من تحديات جمة ، آخرها التي راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن رواندي نتيجة للصراع الدموي ما بين قبيلتي التوتسي و الهوتو ، وما بين هذا و ذلك و إقتيال رئيسهم السابق و تسليم السلطه للرئيس الحالي بول كيقامي الذي عرف ما يريد بالضبط و عمل علي إلغاء الفوارق العرقية التي كانت مصدرا لتحطيم الدولة ، وسن قوانين صارمة تجرم كل من أخطي في حق الغير ، وتأهيل المواطنين حتي جعل رواندا جوهرة أفريقا ليس علي الصعيد الأقتصادي فقط ، بل حتي علي الصعيد الإنساني .
وبالأخذ بتجربة جنوب أفريقا أيضا في المحيط الإقليمي و ماليزيا علي المستوى الدولي ، فهل تكون ثورة ديسمبر حصان طروادة للسودانيين و تحقق لهم
غاياتهم وحلمهم في دولتهم المدنية التي حملها شهيد فوق شهيد ؟ أم خنجرا مسموما يقسم السودان و أحلام شبابه ؟

