حوارات

محلل سياسي : من الخطأ الحديث عن مصالحة مع الإسلاميين في هذه الفترة

 

فساد منسوبي إزالة التمكين إنتكاسة كبيرة لأحد أهم أذرع الثورة
أقترح حصر سلطات إزالة التمكين في عملية جمع الحقائق والمعلومات
الحكومة ظلت تتخبط على مدى عامين ولم تضع حتى الآن أرجلها على الطريق الصحيح
لا داع لتعيين حاكم للإقليم في ظل وجود ولايات تتبع لنظام فدرالي
مشكلة الإسلاميين هي أن المجتمع أجمع على رفضهم لأنهم أقصوا المجتمع واحتكروا كل شئ

حوار : نبتة نيوز

أعتبر أستاذ العلوم السياسية ،عبده مختار ، فساد منسوبي إزالة التمكين بالإنتكاسة الكبيرة لأحد أهم أذرع الثورة ، مقترحا في ذات الوقت أن تحصر سلطاتها في عملية جمع الحقائق والمعلومات ، ولفت إلى أن الهجمة الشرسة التي تتعرض لها اللجنة ماهي إلا نتاج للثغرات التي برزت من الخلل في أدائها ، مؤكدا إنه تم إستغلالها من أعداء الثورة ، مشددا على ضرورة سد الثغرة وذلك بمعالجة جادة لعيوب اللجنة … كل هذه الإفادات وإفادات أخرى تجدونها داخل الحوار ، فإلى مضابطه .

* كيف ترى فساد منسوبي لجنة إزالة التمكين، تفكيك نظام الإنقاذ، ومحاربة الفساد واسترداد الأموال؛ هل يؤثر ذلك على أدائها؟
هذه انتكاسة كبيرة لأحد أهم أذرع الثورة. لقد قلتُ في وقت سابق إن أزمتنا في السودان تسير بساقين: أزمة أخلاق وأزمة عقل سياسي. وهما ذاتهما من أسباب إزاحة النظام السابق بثورة شعبية. لكن من المهم التمييز بين أهمية هذه اللجنة من حيث جوهر عملها وهدفها ومن حيث تشكيلها وسلطاتها وواقع أداءها. من الواضح أن هنالك ثغرات ظهرت في أدائها مما عرضها للنقد الشديد، وهذا يتستدعي إعادة النظر في تكوينها وفي سلطاتها دون المساس بمبدأ أهمية وجود اللجنة وعملها. أقترح حصر سلطات اللجنة في عملية جمع الحقائق والمعلومات (fact-finding) على أن تترك السلطات الأخرى للأجهزة الشرطية والعدلية والقضائية المختصة.. أمر جيد أن تم الإعلان عن اخضاع المتهمين للمساءلة القانونية.

*هل إزالة التمكين قادرة على تحقيق مهامها خاصة التي تتعلق بتصفية نظام الثلاثين من يونيو؟
بعد مراجعتها وضبط علمها ووضعه في المسار الصحيح يمكن أن تحقق الهدف لكن بالطبع بالتضامن مع عوامل أخرى مثل تحسين الأداء الكلي للحكومة واستكمال بناء مؤسسات الدولة المختلفة.

* هنالك هجمة شرسة على اللجنة، كيف تراها؟
هذه الهجمة هي نتاج للثغرات التي برزت من الخلل في أداء اللجنة وقد استغل أعداء الثورة هذه الثغرة أيما استغلال، فيجب سد هذه الثغرة بمعالجة جادة لعيوب اللجنة.
* تم تعيين مني أركو مناوي حاكما على إقليم دارفور، كيف ترى هذه الخطوة؟
تعيين مناوي من الأخطاء التي وقعت فيها هذه الحكومة – ليس الخطأ متعلق بشخصه بل بالمنصب نفسه. هذا المنصب أو الوظيفة هي (بدعة) بمعيار هيكلية النظام الفدرالي (الاتحادي). لا داع لتعيين حاكم للإقليم في وجود ولايات في نظام فدرالي لأن ذلك تضخيم للجهاز البيروقراطي للدولة وإضافة صرف لا طائل منه؛ كما أن ذلك سوف يسبب تعقيدات في انسيابية اتخاذ القرار وفق ترابية الهيكل الإداري في النظام الفدرالي الذي يتشكل من حكومة مركزية (فدرالية) وحكومات ولائية وحكومات محلية، وفيها يتعامل الوالي (حاكم الولاية) مباشرة مع الرئيس والجهاز التنفيذي الفدرالي، فعندما تضع شخصية بين والي الولاية والحكومة المركزية هذا فيه تعقيد لعمل الوالي وهذا يعني أن الوالي لا يمكنه التعامل مع الخرطوم إلا من خلال (حاكم الإقليم)! من ناحية أخرى هذا النظام سوف يخلق إزدواجية وتناقضات في جهاز الدولة الإداري: فبينما تتكون أجزاء البلاد الأخرى من ولايات فقط عملت على تمييز إقليم بنظام حكم مختلف! وإذا كان منصب حاكم الإقليم هو من بنود اتفاقية جوبا هذا يعكس إحدى الثغرات التي حوتها اتفاقية جوبا لأنها اتفاقية لم تتم بمنهجية صحيحة، فهي تمت في الخارج وبوسيط ومفاوضات بينما الصحيح أن (لا) تتفاوض الحركات مع حكومة تمثل الشعب: كيف تكون انت طرف (آخر) مقابل الشعب؟ كان يجب أن يحضر ممثلو الحركات للخرطوم (مباشرة بعد الإطاحة بالبشير) والجلوس في مؤتمر قومي علمي جامع يناقش كل القضايا وتشارك فيه كل المكونات ويخرج برؤية استراتيجية شاملة لمعالجة الأزمات (أقاليم الحرب بمنهجية التمييز الإيجابي) وتعالج قضايا الحكم والتنمية والتحول الديمقراطي وفق رؤية كلية …
*هل تعيين حاكم للإقليم يساعد على تعزيز الأمن في دارفور؟
تعزير الأمن في دارفور لا يعتمد على أختيار شخصية منصبه ، بل يضيف تعقيد للوضع الإداري في إقليم في أشد الحاجة للمرونة في المعاملات الإدارية بين الولاية والمركز. وتتم عملية تعزيز الأمن من خلال السياسات الكلية للدولة: ماذا فعلت إزاء النازحين واللاجئين وعودتهم، والانفلات الأمني المستمر ومعالجة سلبيات الحرب إسقاطاتها المستمرة الممتدة في عمق النسيج الاجتماعي، ومن خلال معالجة أسباب النزاعات القبلية والصراعات الإثنية والاختيار الصحيح للشخصيات التي تنفذ السياسات على كل المستويات… تعزيز الأمن يتم من خلال حل شامل لقضايا التنمية العادلة وإزالة المظالم وجبر الضرر والتعويضات والمصالحات والعدالة الانتقالية.
* برايك هل ستكون هنالك سلطة رقابية على عمله أم لا؟ وإذا أخطأ مَـن سيحاسبه؟
لأن الأمر هو زيادة في غير محلها، فإن مسألة من يراغبه ومن يحاسبه سوف تكون جزءً من التعقيدات التي سوف يفرزها هذا النظام الإداري الخطأ..
* هنالك حديث عن الانتخابات، هل هي المخرج للبلاد في نظرك؟
نعم، الانتخابات هي المخرج إذا تمت بصورة شفافة ونزيهة برقابة دولية، وإذا احترمت الأطراف قواعد اللعبة. لكن كيف نصل للانتخابات وحكومتنا تدور في دوامة التخبط والمحاصصات والصراعات المدنية المدنية والاختلافات العسكرية المدنية وانعدام القائد الذي يوظف هذا الزخم الثوري نحو التحول الديمقرطي.
*ماذا عن مصالحة الحكومة مع الإسلاميين؟ وهل تقود البلاد من أزماتها؟
من الخطأ الحديث عن مصالحة مع الإسلاميين في هذه الفترة ذلك لأن الإسلاميين ليس لهم مشكلة مع النخب، هي ليست مشكلة نخبوية، مشكلة الإسلاميين هي أن المجتمع أجمع على رفضهم لأنهم أقصوا المجتمع واحتكروا كل شئ لذلك توحد المجتمع في ثورة ضدهم. بمعنى أن الحكم على الإسلاميين صدر من الشعب بناءً على سلوكهم وسياساتهم وتصرفاتهم في الحكم خلال 30 عاماً.. فهذا الموقف الشعبي الثوري ضد الإسلاميين هو نتاج أفعالهم ليس إلا.. أما النظر للمصالحة وكأنها سوف تخرج البلاد من أزمتها هذه دليل على قُصر النظر السياسي تماما مثلما ربط البعض التطبيع بتحقيق مصلحة للسودان!
السودان غني بموارده الطبيعية، بعد هذه الثورة العظيمة يحتاج فقط لرجل دولة يمتلك الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية وله القدرة على تعبئة الموارد المادية والبشرية، ولا يحتاج لتطبيع ممقوت أو صُلح مرفوض.
*بوصفك خبير في الشأن السياسي: هل راض عن أداء الحكومة حتى الآن؟
طبعا غير راضٍ عن أداء هذه الحكومة. هذه الحكومة ظلت تتخبط على مدى عامين ولم تضع حتى الآن أرجلها على الطريق الصحيح الذي يختصر الوقت والجهد والمال لتحقيق أهداف الثورة. ولقد قلتُ رأيي في هذه الحكومة منذ البداية لأنها لم تبدأ بداية صحيحة – سواء كان من حيث اختيار الشخصيات أو من حيث السياسات، فهي لم تنطلق من معايير موضوعية في اختيار الكفاءات بل جاء التشكيل بناء على توازنات سياسية ومحاصصات حزبية.
* هذا يعني أثر على أدائها ؟
بالطبع ، كانت النتيجة أداءً ضعيفا وتعديلات وزارية متكررة. لو التزمت الحاضنة السياسية بمصلحة الوطن والثورة لكبحت مصالحها الشخصية من خلال اختيار حكومة تسيير أعمال من كفاءات مستقلة. فهذا خطأ استراتيجي. الخطأ الاستراتيجي الثاني هو أنها لم تعمل وفقا للأولويات بل أغرقت نفسها في قضايا مصيرية وجدلية كبيرة ليس هذا وقتها ولا تملك التفويض للتقرير بشأنها – مثل قضايا العلمانية والمدنية وعلاقة الدين بالسياسة والحكم الذاتي لمنطقة جبال النوبة والتطبيع، وما شابه ذلك. فأثارت غضب الشعب عليها وأثارت بلبلة لدى الرأي العام وفتنة بين الجماعات ومنحت الفرصة كبيرة لأنصار النظام السابق لنقدها من خلال هذه القضايا. فهي قضايا لا يحق حتى للبرلمان الانتقالي النظر فيها، فهي ترتقي لمستوى الاستفتاء الشعبي أو البرلمان المنتخب ديمقراطيا من الشعب.
انصرفت حكومة حمدوك منذ البداية لمثل هذه القضايا وتركت معاش الناس وأمنهم. لذلك قلتُ منذ البداية أن هذه الحكومة “قد ضلت طريقها”. وأنها ليست في مستوى الثورة. والتقييم الحقيقي لأداء الحكومة هو ما يقوله المواطن العادي أفضل مما نعكف عليه من تحليلات على الورق. ففي أيام الاعتصامات الكثيرة في عدد من المحليات، تحدث أحد المواطنين في إحدى محليات دارفور للتلفزيون السوداني عن الوضع الذي يعيشه المواطن وقد لخّص ذلك في كلمتين “مافي حكومة”. فالحكومة بدلاً من أن تشكل حكومات الولايات والمحليات منذ الأيام الأولى لدهشتي ربطت الأمر بمفاوضات السلام التي امتدت فترة طويلة، وحتى بعد توقيع اتفاقية جوبا دخلنا في “ماراثون” تشكيل الحكومة ثم ماراثون جديد هو تشكيل المجلس التشريعي! بعد عامين من بداية الحكومة الانتقالية التي عمرها (3) سنوات فقط وأنت لم تستكمل بناء المؤسسات الرئيسية في الدولة؟! أليس هذا تخبط؟!
*وماذا عن إنجازات الحكومة ؟
في تقييمي لأداء هذه الحكومة الانتقالية أرى أنها حتى الآن لم تحقق انجازات حقيقية في ملف الثورة وفي أولويات المواطن الذي يعيش في احباط مستمر – من أزمة إلى أزمة ومن غلاء إلى غلاء! ما قدمته الحكومة حتى الآن هي انجازات عادية ومقدور عليها بأقل مجهود: فمثلاً موضوع السلام مع الحركات هو حتمي طالما أن النظام الذي أنتجبت سياساته هذه الحركات قد ذهب، وكذلك موضوع رفع الديون والعقوبات .. كلها تلقائية الانجاز بفضل المناخ السياسي الذي أنتجته الثورة على مستوى العالم.
في أواخر أغسطس وبداية سبتمبر 2019 زرتُ الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من الجامعة الأمريكية في واشنطون حيث قدمتُ محاضرة لطلبة الدراسات العليا ومجموعة من الأساتذة عن ثورة السودان، ونظموا لي زيارات لمراكز بحوث والمعونة الأمريكة USAID ووزارة الخارجية. وقد أكد لي المسؤولون هناك أن عملية رفع العقوبات عن السودان “مسألة وقت فقط، سوف تقدم المؤسسات المختلفة تقارير ويتم الرفع..”. فلم يكن الأمر يحتاج ربطه بعملية ابتزازية مثل التطبيع! ( نشرتُ دراسة عن التطبيع الإسرائيلي والمأزق السوداني، في مجلة المستقبل العربي، عدد إبريل 2021 عن مركز دراسات الوحدة العربية/بيروت، وتضمنت استطلاع كانت نتيجته ضد التطبيع وقلت أن التطبيع لن يحقق أية مصلحة للسودان وشرحت ذلك بالتفصيل).
*مقاطعة .. لنعود لإنجازات الحكومة ، مالذي تحقق حتى الان ؟
الانجازات الحقيقية المفترض تكون الحكومة قد انجزتها كثيرة، منها على سبيل المثال: أين العدالة؟ أين المحاكمات والتحقيقات في الجنايات الكبيرة مثل فض الاعتصام؟ أين المفوضيات؟ اين الاعداد للانتخابات؟ أين المجلس التشريعي؟ ماذا فعلت بأوضاع النازحين؟ ماذا فعلت بالترتيبات الأمنية؟ وماذا حققت اتفاقية جوبا بالطريقة التي تمت بها؟ أين معالجتها للمستوى المتدهور في المعيشة وفي الخدمات؟ والملاحظات البسيطة يكشف فشل الحكومة: الخرطوم أقذر المدن في العالم، الشوارع كلها حُفـر ولا أرى أي جهد للصيانة؟ شكا المزارعون من سوء الإعداد للموسم الزراعي مما يهدد نجاحه. يعيش المواطن أزمات موروثة من النظام السابق لكنها استفحلت تحت الانتقالية – مثل أزمة الكهرباء وأزمة المياه، ومشكلات في التعليم، وتدهور في خدمات الصحة (هنالك فيديو يحكي عن مأساة الوضع في مستشفى مدينة واد مدني)؛ وهنالك أزمة في الدواء مع ارتفاع لا يطاق في أسعاره. فقد أصدر تجمع الصيادلة بيان (في 28/8/21) قال فيه “أن الحكومة جففت الدواء من الامدادات الطبية تمهيدا لتحريره، وانعدمت أدوية كثيرة مثل أدوية الأمراض النفسية والعقلية والسرطان وغسيل الكلي، وأوقفت الحكومة سداد أموال شركات أدوية الامدادات الطبية”؛ وقال الصيادلة: “إن تصريحات د. حمدوك حول حل أزمة الدواء تصريحات تخديرية وغير صحيحة”!! هذا إضافة إلى انعدام الأمن في الولايات وفي العاصمة نفسها… هذه وغيرها هي مؤشرات حقيقية معايير موضوعية/واقعية تدل على فشل هذه الحكومة الانتقالية التي لم يجني منها الثوار سوى الاحباط.

زر الذهاب إلى الأعلى