اخبار

درع السودان في النيل الأزرق.. هل ينهي التهديد الإثيوبي؟

درع السودان في النيل الأزرق.. هل ينهي التهديد الإثيوبي؟

تقرير: نبتة نيوز

في تطور جديد على جبهة النيل الأزرق، وصلت تحركات ضخمة لقوات درع السودان إلى مدينة الدمازين، في خطوة يمكن وصفها بأنها تعزيز استراتيجي للجيش السوداني في مواجهة بقايا مليشيا الدع-م الس-ريع المنتشرة جنوب الولاية، ومواجهة تهديدات محتملة في المناطق الحدودية مع إثيوبيا، في ظل تردد أنباء عن تحركات إثيوبية داعمة لفتح جبهة عسكرية جديدة ضد الحكومة السودانية.

الوضع الميداني في النيل الأزرق

تمثل مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، مفصلًا استراتيجيًا بين خطوط الإمداد الجنوبية للجيش السوداني، ومنطقة ذات حساسية أمنية بالغة، ولم تتخلف يوماً الحضور في أي مشهد من مشاهد النزاع المسلح في السودان، منذ حرب الجنوب وحتى الحرب الأخيرة.

وخلال الحرب الحالية، لم تتمكن المليشيا من السيطرة على ولاية النيل الأزرق في الفترة الماضية.. وبعد طردها من ولاية سنار تحرير الجيش لمدينة سنجة، تسللت مجموعة من قوات المليشـ يا إلى منطقة الدالي والمزموم، قبل أن تصل إلى محلية التضامن الحدودية مع دولة جنوب السودان..وهذه البقايا هي مجموعات صغيرة تقوم بعمليات هجومية تكتيكية أو محاولة تهديد البنية التحتية المحلية، دون القدرة على السيطرة الإقليمية الكاملة.

وبجانب تلك الفلول، توجد في النيل الأزرق قوات متمردة أخرى تتبع لحركة عبد العزيز الحلو، المتحالفة مع المليشيا.. تلك القوات يقودها المتمرد (جوزيف توكا)، التي تمكنت، في وقت سابق بعد اندلاع الحرب، من الاستيلاء على عدد من المناطق في محلية الكرمك جنوب النيل الأزرق في يونيو 2023، ولا زالت تلك المناطق تحت سيطرتها، وهي (خور البودي -ديم منصور-جرط غرب).

وقد بدأ التنسيق بينها وبين بقايا مليشيا الدعـ م السريع في النيل الأزرق، عقب توقيع الحركة الشعبية شمال التي يقودها عبد العزيز الحلو على ميثاق تأسيس وتحالفه مع المليشيا، العام الماضي.

وفي 24 نوفمبر الفائت، كان التنسيق والعمل المشترك الأول لفلول المليشـ يا وقوات جوزيف توكا، حيث استولوا على بعض المناطق الصغيرة في محلية باو، لا توجد بها قوات كافية، قبل أن تلتقي القوتان في منطقة مغجة، وأعلنوا فتح مركز تدريب مشترك إحدى مناطق محلية باو.

تحديات حدودية

على الرغم من أن إثيوبيا نفت رسميًا تقديمها أي دعم مباشر لمليشيا الدع-م الس-ريع، أو فتح معسكرات لتدريب قوات تأسيس داخل أراضيها، وعلى الرغم من أن الحكومة السودانية لم توجّه حتى الآن أي اتهام رسمي لإثيوبيا، إلا أنه من الواضح أن الخرطوم تتحسب لسيناريوهات هجوم محتمل من الأراضي الإثيوبية على النيل الأزرق، بناءً على تقارير تفيد بوجود نشاط وتحركات على طول الحدود الشرقية مع إثيوبيا، تثير مخاوف من استغلال الدع-م الس-ريع لهذه المنافذ لفتح جبهة جديدة.

من الناحية العسكرية فإن أي تدخل إثيوبي مباشر أو غير رسمي، حتى عبر تسهيلات لوجستية أو تدريب، قد يحوّل النزاع في النيل الأزرق إلى صراع إقليمي مفتوح.

ومن الناحية السياسية، مجرد تداول مثل هذه الأنباء يكفي لإحداث توتر في العلاقات السودانية – الإثيوبية، ويضع الجيش السوداني أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة بقايا المليشيا داخليًا، والتحسب لأي تهديد محتمل عبر الحدود.

جديّة المعلومات

تحدثت مصادر إعلامية عن حشود لمليشيا الدع-م الس-ريع تخطط للهجوم على منطقتي الكرمك وقيسان في إقليم النيل الأزرق، انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية.

ونقل موقع “الترا سودان” إفادات لمصادر عسكرية بأن الجيش السوداني “على أهبة الاستعداد” لمواجهة أي هجوم محتمل من المليشيا على المنطقتين. وأشارت المصادر إلى أن الاستخبارات رصدت تحركات لقادة الدع-م الس-ريع داخل الأراضي الإثيوبية خلال الأيام الماضية، مؤكدة أن إمداد القوات بالعتاد الحربي مستمر منذ أشهر. ولفتت المصادر إلى أن إثيوبيا تفتح أراضيها لتدريب قوات المليشيا، مما يجعلها طرفًا في العدوان على السودان.

يؤكد نقيب الصحفيين الأستاذ الصادق الرزيقي، أن “التطورات الجديدة في منطقة النيل الأزرق وبني شنقول هي معلومات صحيحة، بعضها معلومات استخبارية وبعضها الآخر معلومات عسكرية”.. ويُشير إلى أن الدعم الإثيوبي للمليشيا “بدأ منذ فترة والعتاد الحربي بدأ يصل مباشرة من داخل إثيوبيا وعبر جسر جوي أيضاً إلى داخل منطقة بني شنقول في منطقة أصوصا الإثيوبية”.

ويدعم هذا الرأي الصحفي فيصل سعد، ويرى أن هذا الحراك الإثيوبي هو جزء من استراتيجية عسكرية تهدف إلى إنهاك الدولة السودانية عبر فتح جبهات متعددة. ويقول إن “ثمة قوات تم تجميعها وتأهيلها وتوفير كل إمكانياتها القتالية في منطقة إثيوبيا، ووجدت دعماً لوجستياً كبيراً برعاية الإمارات، وهو ما يعرف بعملية شد الأطراف”.

وأكد الخبير العسكري، اللواء عوض عبد الرحمن رصد حشود إثيوبية تخطط للهجوم على إقليم النيل الأزرق، لكنه مع ذلك رأى أن إثيوبيا غير قادرة على الدخول في حرب حاليًا بسبب الأزمات الداخلية في مناطق الأورومو والتيغراي والأمهرا.

أصوات إثيوبية تدعو لهذا الخط

ومما يقوّي صحة المعلومات آنفة الذكر، اتجاه في الصحافة الإثيوبية، بل لدى الكتاب الاستراتيجيين الإثيوبيين، يرون أن تداعيات حرب السودان يمكن أن تؤثر بقوة على استقرار إثيوبيا، خاصة في حال تفكك السودان، وأن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها إثيوبيا لا تكفي لوقايتها من المخاطر الناجمة عن مآلات الحرب، ويدعون حكومتهم إلى اتباع “استراتيجية مزدوجة” تمزج بين الدبلوماسية، والتدخل الصامت لدعم الطرف الأقرب الذي تتقاطع مصالحه مع مصالح إثيوبيا، خصوصاً فيما يتعلق بالصراع حول ملفات مثل سد النهضة ومياه النيل.

ومن تلك الأصوات، مقال نشرته مجلة القرن الإفريقي (Horn Review)، بتاريخ 2025/11/25، بعنوان “هل إثيوبيا مهيأة جيوسياسياً لتداعيات الحرب الأهلية في السودان؟”، للباحثتين؛ ريبيكا مولوجيتا وماكدا غيرما.

تقول الباحثتان إن على إثيوبيا: “أن تستعد لسيناريوهات بديلة. ويشمل ذلك تقديم دعم محسوب وغير معلن للفصائل التي تتقاطع مع مصالحها الأمنية، ليس بوصفه انحيازًا سياسيًا، بل كإجراء وقائي في مواجهة جماعات معادية مدعومة من مصر أو إريتريا قد تهدد السيادة الإثيوبية”.

ماذا يعني فتح جبهة جديدة في النيل الأزرق

– شد الأطراف، وتشتيت قوة الجيش السوداني التي تركز الآن على معركة كردفان ودارفور، التي أحرز فيها الجيش والقوات المساندة له، خلال الأيام القليلة الماضية، تقدماً ملحوظاً، استطاع فيه توجيه ضربات موجعة للمليشيا، باستعادة السيطرة على عدد كبيرمن المناطق الاستراتيجية في شمال كردفان وفي جنوب كردفان، واستطاع أن يفك الحصار عن مدينة “الدلنج”، هذا بجانب تكبيد المليشيا خسائر كبيرة في العتاد والأرواح.

– اكتمال “هلال” لوجستي للدع-م الس-ريع يربط قوات المليشيا وحلفائها في جنوب كردفان وجنوب غرب كردفان (هجليج)، وفي المناطق الحدودية في دولة جنوب السودان مع القوات الموجودة في النيل الأزرق التي تمثل بقايا من قواتها المنهزمة، بالإضافة إلى المجموعة المتمردة التابعة لحركة عبد العزيز الحلو، ربط كل ذلك الوجود بإثيوبيا، مما يعني اكتمال “هلال لوجستي” من الشرق إلى الغرب.

ولهذا السبب كان لابد من تحرك عسكري سريع، لحسم تلك التحركات، وقطع الطريق عليها، من دون أن يؤثر ذلك التحرك بشكل كبير على جهود الجيش في معركة كردفان، لأن النجاح في معركة كردفان يعني تحجيماً كبيراً لقدرات التمرد على تفكيك السودان..

الدلالات السياسية والاستراتيجية

إن تكليف قوات درع السودان بقيادة القائد أبو عاقلة كيكل، بمهمة إسناد الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين، وقوات الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وأمر له دلالاته.. فمن جهة، نجد أن معرفة كيكل وقواته بطبيعة المليشيا، واستراتيجياتها وأساليبها في القتال، بحكم انتمائه السابق لها، هي مسألة مؤثرة جداً في مسار المعارك، وقد أثبتت نجاحها في معارك تحرير الجزيرة.

ومن ناحية أخرى فإن وجود قوات شبه عسكرية، ليست مقيدة بقيود البيروقراطية العسكرية للجيوش النظامية، هو أمر مفيد جداً في هذا النوع من المعارك، الذي يتطلب سرعة في اتخاذ القرار حسب متقتضيات الميدان.
ومن جهة أخرى يأتي تحرك قوات درع السودان في هذا التوقيت لعدة أسباب استراتيجية:

– إظهار قدرة الجيش على إدارة أكثر من جبهة، وهو ما يعكس رسالة داخلية وخارجية بأن الجيش يسيطر على محاور النزاع الرئيسية.

– تخفيف الضغط على قوات الجيش في كردفان، حيث تحقق المعارك تقدمًا محدودًا، ومنع الانفلات اللوجستي من خلال ربط جبهة الدمازين بالجيش.

– إرسال رسالة سياسية لإثيوبيا وبقية القوى الإقليمية المساندة للمليشيا بأن الجيش مستعد للتصدي لأي تهديدات، سواء من مجموعات داخلية متناثرة أو من أي تدخل خارجي محتمل.

وبشكل عام، إن تحرك قوات درع السودان إلى الدمازين هو خطوة استباقية وميدانية بالغة الأهمية لتأمين الولاية وتعزيز حضور الجيش، في ظل وجود بقايا الدعم السريع جنوبًا وخطر محتمل من تدخل إثيوبي عبر الحدود.

وتأمين ولاية النيل الأزرق ليست مجرد إنجاز عسكري، بل رسالة سياسية وأمنية: الجيش قادر على إدارة الجبهات الداخلية، والتحسب لأي تهديد خارجي، ويبقى النيل الأزرق اليوم محورًا استراتيجيًا للحد من تمدد الصراع جنوبًا وشرقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى